عبد الرحيم يوسف: الأستاذ يوسف… ماضي؟

Abdel Rehim Youssef with his father. Courtesy of the author

{الأستاذ يوسف ماضي
محافظة الإسكندرية}
مكتوبة على لوحة رخام صغيرة
متثبتة تحت الشُرَّاعة الإزاز أم حديد معشَّق
في سُرّة الباب الخشب العتيق
على شمالك زرار الجرس الكَبس
دوس عليه.. حيرنّ رنَّة مفزعة
أو لو كنت من أهل البيت
خبَّط ع الإزاز بأطراف صوابعك..
لو خبَّطت ع اللوحة الرخام..
على اسم الأستاذ يوسف ماضي
محافظة الإسكندرية
وتوقيع الخطاط الجميل تحتها
ما حدِّش حيفتحلك!

Abdel Rehim Youssef’s father, courtesy of the author

صوته مش جهوري
لكن مظبوط على تون واحد
عالي شوية.. وفيه حشرجة خفيفة
ونبرة زجر طبيعية
بتخليني أقوم م النوم حاسس بالذنب
وبتغطي على مزيكة (قطرات الندى)
في الراديو الناشيونال الجديد
حاكل ساندوتش بالغصب
ومش حارضى أشرب اللبن
وحانزل ماسك إيده
وعند الناصية حاقف بعناد
وأصمم ما أتحركش
إلا لما ماما تعمل لي باي باي بإيدها من ورا شيش الشباك المتوارب
وماما بتبص وتضحك
ولما أصعب عليها تفتح الشباك سِنَّة وهي لسه بتضحك
وتشاورلي
ساعتها بس أقبل تبدأ الرحلة:
نمشي في شارع السوق المتبلط بالبازلت
ونعدّي مزلقان القطر
وأنا بابص بفضول للجرايد اللي مغطية برك الدم
أو باخطي بصعوبة فوق القضبان وخايف من صوت القطر
اللي بيزلزل قلبي
ومش حنعدي من النفق في الناحية التانية
إلا بعد ما يسدوا سكة المزلقان بسور طوب عريض
ويعطلوا شوية مشوارنا الصباحي الطويل
وأول ما نوصل شارع أبو قير
يبدأ يمدّ.. بخطوة أوسع كتير من خطوتي
وأنا باحاول طول الوقت ألحقه
ولما أكبر مش حاعرف أمشي تاني بخطوة عادية
ح أفضل أمدّ
أمدّ..
لحد ما تجبرني الأيام ع الزك الخفيف

“الأستاذ يوسف الصغير!”
كل زمايله في الشغل بيقولولي كده
مكتبه الإيديال الكبير أول مكتب ع اليمين
في قاعة ضخمة مليانة موظفات وموظفين
بنوصل أنا وهو قبل أي حد
وقبل ساعة من جرس المدرسة
وأول ما تهل الموظفات أتوتر
حيبدأوا يعاكسوني.. ويلاعبوني
والطفل البرَّاوي حيرفض التجاوب
ويبدأ يكش في نفسه
ويزيح الإيدين الممدودة بالحب
ويخاف من ابتسامات الود وضحكات الدلع
ويغضب لما يفكوا حزام المريلة
ربطة أمه الجميلة
يجري يستخبى ورا المكتب الإيديال
جنب كرسي الأستاذ يوسف
اللي اسمه منقوش بخط جميل على هرم خشب ممطوط
فوق المكتب
ويسمعه بيضحك وهو مشغول بدفاتره ودوسيهاته
لحد ما يسمع جرس المدرسة القريبة
يربط الأستاذ يوسف حزام المريلة ربطة شديدة
حتفك بعد شوية جوه الفصل
وتخلّي كرهه للموظفات يزيد
لحد ما يسَمُّوه “عدو البنات”
يستلم هو اللقب.. ويعيش يأكده لسنين قدام
“الأستاذ يوسف الصغير
عدو البنات!!”

أول يوم في المدرسة
الفصل غربة كاملة
والخوف مسيطر على وشوش كتير
صرخات الولد اللي دخل مع أبوه متأخر
ودموعه اللي ما بطلتش نزول
زرعت في صدري كومة شوك مقبوضة
بتفتح وتقفل مع كل نبضة
وكل شخطة من الأبلة
وكل لفتة حنان
أخيرا جرس الفسحة والأبلة زعقت: اخرجوا
قلبي اتخلع
الحوش متاهة.. صحرا واسعة وعيال بتجري
وسنة أولى تايهين في الشعاب
كومة الشوك مع الدموع المحبوسة شوهوا صورة الأبلة الجميلة
ونسُّوني الساندوتشات في الشنطة
حارجع بعد الفسحة
أقعد في التختة التالتة في النص
عيني متشعلقة على باب الفصل
مستني لحظة دخول وشك في الكادر
بابتسامة عريضة
ونضارة فضي عدساتها غامقة
تشاور عليّ وتستأذن
عشان أرجع معاك للفردوس المفقود
أيوه.. أنا مستنيك

ع الطريق السريع
طابور عربيات شايلة صناديق معدات وحاجات غامضة
وبسبب قلة السواقين
اضطر الموظفين الصغار والكبار اللي بيعرفوا يسوقوا
يساعدوا في المهمة الغريبة
ركبت معاك في واحدة منهم
إنت بتسوق لأول وآخر مرة قدامي
وجنبك زميلك
ومافيش كراسي تاني
اضطريت أقعد على صندوق في قلب العربية
ومع الحركة العصبية السريعة
بقيت أتزحلق
وانت تقوللي
امسك نفسك!
بس مافيش حاجة أتعلق فيها
بامسك في الشريط البلاستيك اللي رابط الصندوق
وفي إطار الإزاز الورَّاني المصدي
وفي الهوا المتشبع بريحة الملح والصدا
وبرضه باقع
ومش بامسك نفسي!

في الدكان
اللي من غير اسم ولا عنوان
رفوف قديمة عليها علب التموين
والبنك بيسد المدخل
جنبه شِوِلة مكرونة وعدس يمكن
لكن عينيا متعلقة على النضارات البلاستيك الرخيصة
النضارات الملونة في لوحة كارتون ع الواجهة
لما تفضى إيدك
حتبص لي وأنا باغالب خجلي
وحتسحب نضارة صفرا وتديهالي
وأنا حاروَّح معاك بعد شوية
والعالم كله أصفر
ووردة بتغني في التليفزيون:
“نجري ورا الأماني..
ونضيع ويَّا المجهول!”

لازم تستحمل يا أستاذ يوسف!
ابنك كبر
وما بقاش بيمسك إيدك وانتم ماشيين
وممكن يلاعبك دومينو في البيت
ويغلبك.. ويقول لك: “اسحب يا بابا!”
بقى يزاحمك في قراية أهرام الجمعة
وينصص معاك الصفحات
ويبادل معاك اللي خلَّصه
ويستولي على الملحق كله!
مش حيشجع الاتحاد زيك
ولا الأهلي زي أخوه الكبير
حيشجع الفريق الأبيض أبو خطين حمر
مع أمه واخواته البنات
وحيتعلم يعيط مع الهزيمة
ويدبدب مع الانتصار
ويألف أغاني يهزأ فيها الفريق الأحمر
ولما يكبر أكتر حيتصالح مع الهزايم
وتبقى هي الاحتمال الأكبر
والانتصار هو الاستثناء

ممنون يا أستاذ يوسف!
لكل الكتب القديمة اللي في دولاب كتبك القديم
ولكل الكتب الجديدة اللي بتستلقطهالي من صحابك!
ولإنك عدّيتهالي لما أصريت أدخل أدبي
وأكسر حلمك القديم إن حد من ولادك يطلع دكتور!
ولإنك لما شفت الأورج البلاستيك الروسي في محل المحاريث والهندسة
قلت لي وخدتني أشتريه من تحويشة مصروفي
ولإنك كتبت لي القصيدة بتاعة المسابقة
على آلتك الكاتبة الفخيمة في البيت
وعملت علامات التشكيل بالحبر الأحمر!
ولإنك وصِّيت صاحبك سواق النقل يوصَّلني لحد بيت الشباب في القاهرة القاسية
ووصَّلتني الفجر لحد عنده
ولإنك أقنعتني أسيب كلية الآثار
وأحوِّل لكلية التربية البائسة
عشان أطلع مدرس إنجليزي
وأنا المرة دي ما كانش ليا وش أخالفك!
ولإنك كمِّلت أقساط الكاسيت السوني أبو بابين
لما فشلت في دفعها من مرتبي البائس!
ولإنك ما علِّقتش خالص لما لقيتني داخل البيت شايل عود
ضيَّعت عليه أول مكافأة امتحانات قبضتها
بدل ما أدفع الأقساط إياها!
ولإنك بذلت مجهود خرافي يوم ما روحنا نخطب أميمة
عشان تتغلب على المرض الغريب اللي صابك بعد خروجك ع المعاش
واللي خلى المفردات تخونك ساعات وتهرب من مخك
مخ “كومبيوتر المديرية” زي ما كانوا بيسموك
وقدرت تظبط كلامك في أضيق الحدود وبدون لجلجة
كأنك قعدت تذاكره ليالي طويلة
عشان كده أنا قلبي انفطر
من نظرة الحزن والأسف في عينيك
يوم كتب الكتاب
لما اكتشفت إنك نسيت بطاقتك في البيت
ومش حتقدر تكون وكيلي
أرجوك ما تزعلش يا أستاذ يوسف!
لأني فعلا ممنون!!

{المرحومين
عبد الرحيم عبد العال السبعيني٤ صفر ١٣٩١ ه – ٣١/٣/١٩٧١
يوسف رمضان ماضي
١٢ شوال ١٤٤٢ ه – ٢٤/٥/٢٠٢١ م
نسألكم الدعاء}
مكتوبة على لوحة رخام بيضا مايلة للرمادي
في مقابر المنارة اللي في باب شرقي في إسكندرية
جدي اللي عطاني اسمي الأولاني
وأبويا اللي كمِّل بقية الاسم
متجمعين بعد خمسين سنة
ومعاهم اسمي… بالكامل!!
.
الإثنين ٢٤ مايو إلى الإثنين ٢ أغسطس٢٠٢١