محمد عبد الكريم: واحد اثنان ثلاثة

Youssef Rakha, “Cairetros 1”, 2021

طوال الوقت فى غرفتي وحيداً وعاجزاً أمام فراغ البيت الصامت، وتبدو لي كل ليلة كالتى ماتت أمي فيها، صالحة لانطباق السماء على الأرض، وما عليّ سوى أن أفرد جسدي على السرير، وغارقاً فى الظلام أنتظر انتهاء الدنيا. لكن الليلة سد أبي الغرفة المظلمة عليّ بجثته الضخمة تاركاً ضوءاً شحيحاً من الخارج يمر بين رجليه. قال إنه يرغب أن نأكل سوياً، وما كان لي إلا أن ألبي رغبته.
فى ضوء الصالة، بدا الوهن يقرض يديه المرتعشتين وركبتيه، وهو يحاول الجلوس على الكرسي بأقل الطرق إيلاماً. الشارب الذى دأب على تشذيبه قد ترهل. المضحك أن السيد “احلق ذقنك” كانت ذقنه تخاصم الموس. ما زال أبي يمارس الحنين على مائدة الطعام. تخيل أنه كان يقيم الدنيا ويُقعِدها بعشر جنيهات؟! يشترى البحر، ويُمطِر النقود على الناس فى الشوارع، لكن أيام زمان راحت. لم يقدم أحد على مقاطعته مرة. علينا فقط أن نستمع أو نتظاهر بالاستماع. لو كانت ماما معنا على العشاء. تنظر إلىّ وأخي نظرة أنه بدأ، تبتسم فنطأطىء رؤوسنا ونحاول كتم ضحكاتنا. لكن لا يوجد هنا سوى ما كان يفعله أبي بالعشر جنيهات، وصوت مضغه للأكل. أتطلع إلى وجهه، وللحظاتٍ لا أعرفه. أتابعه وهو يعاني من صعوبة المضغ بفمه شبه الخالي من الأسنان. صوت مضغه يتركز عند أذني، وأكاد أفرغ ما فى بطني.. حمداً لله شبعت.
بعد العشاء، هيأت الأرجيلة كما يرغب أبي. سحب نفساً طويلاً، ثم نفث سحابة الدخان فى انتشاء وارتخت ملامح وجهه. كان لا يزال يحكي عن المظاهرات، الطلبة، الحبس، وماما. تصدق أنهم كانوا سيسمونني سعيد؟! وأن جدي لم يترك أى شىء؟! باع كل شيء، ووضع الفلوس فى كرشه. الله لا يرحمه. فى أوقات كهذه أتذكر أخي، ونحن كتكوتان فى أحضان بعضنا. أنفاسه تدفيء وجهي، وهو يحكى لي كل ليلة نفس الحكاية عن أبطال صغار مثلنا حفروا نفقاً للهروب باستخدام الملاعق. أخي من كثرة التكرار صَدّق الحكاية لدرجة أنه أخذ يحفر نفقاً فى غرفتنا. كل ليلة ينزع ذات البلاطتين، ويكمل الحفر بالملعقة، ورغم أن باب البيت كان طوال الوقت مفتوحاً لم يجسر أخي على الاقتراب منه. لم يخبرني أخى عن السبب. فقط دأب على الحفر حتى الجنون ، وفى ليلة ما انتهى من الحفر رأيته وأنا على حافة سريرنا وهو ينفذ عبره. كان النفق يتسع لشخص واحد.
يناولني المبسم دون أن يتوقف عن الكلام. أسحب نفساً أنا الآخر. أستعيد مذاق العسل فى فمي، وأستدعى بحنان ذكرى جلساتي مع رفاقي. كنا ننقع المعسل فى الخمر لليلة ثم ندخنه فى الليلة التالية لنخوض رحلات ليلية إلى الفضاء أو نصبح معلقين فى الهواء. هل يعرف أبي كيف يعد ليلة رائقة كتلك الليالي؟! لأعوام طوال بين جدران هذا القبر. الرفاق انفضوا من حولي. الوقت يسرقنا.. هكذا رددوا.. الوقت، والمزاج. تنساب يدي على منحنيات الأرجيلة. أحس نعومتها بين يدي. يفور شىء ما بداخلي، كأن أنثى عارية فى سريري. أرى جدران الصالة ورقا مقوى. عروق البلاط كائنات بحرية. وجه أبي يتهدل، يسيل، ينهمر عليّ. “لو عايز تمشي امشي اخوك مشي أمك الله يرحمها بقى..” أفكر بطريقة أوقف بها السيل. يجىء ببالي سكين المطبخ الحاد “المشكلة لو جرى لي حاجة وأنا وحدي … “لكن باب البيت أقرب من المطبخ. ذا طوفانٌ، والوقت يسرقني. عليّ أن أنجو بنفسي.
أعد: واحد.. اثنان.. ثلاثة، وأجرى نحو باب البيت. أسقط وأنهض -هل كان الباب مفتوحاً؟!-
لكني لم أتمالك نفسي، وأقف على قدميّ بعد. أحبو على أربع وأنا أهبط السلم وحتى وأنا فى الشارع. حاولت الوقوف ولم أستطع. ملامح أبي التى تسيل تروح وتجيء أمامي وأنا اقطع الشوارع حبواً. يداي مدماتان من زجاج مكسور.
لم أدرِ كم بعدت عن المنزل. فى كل شارع قطعته كان الظلام ولا أحد. نظرت خلفي. كانت متاهة من الشوارع المظلمة.
أدركت أنى أضعت الطريق إلى المنزل. بكيت. كان البكاء حاداً وصارخاً.