أحمد كامل: سير هادئ في أقصى اليمين

Tara Todras-Whitehill. Source: scoopempire.com

يصلح جسده كبرهان على مقولة: “طول بعرض مثل باب”.  وأعتقدُ أن هذا ما زاد الطين بلّة، إذ لفت صوبه الأنظار أكثر جاعلاً منه محطّ سخرية، خلال عبوره الطريق أمام سيارة أجرة مسرعة مُقبلة، وقد تجلى فزعه وكأنه نملة محصورة بين تدفق من خيوط مياه.
كنتُ أقود سيارتي، الأجرة كذلك، باتجاهه، ولكنني هادئ كما عادتي. وليس تسكعي هذا حذو الطوّار وقتياً أو بحثاً فقط عن زبونٍ ألتقطه، قدر ما هو سلطان تربية رشيدة. فأنا، من سلالةٍ امتهنت نقل الناس إلى كلّ شبرٍ في هذه المدينة، وقد تفرعنا جميعاً، في الأساس، من سائق حنطور.
وبعد تجربةٍ وعُمر ومشاهدة أسوأ كوارث الطريق، والتي ربما تنفجر جراء أتفه هفوة، فإن بإمكاني قول، أن أبي، رحمه الله، كان موفقاً في إسداء النصح، بخصوص وجوب الاحتياط والتحلي بالرزانة. وقد ظلّ زمناً يكبّ في أذني إيجابيات اتباع النصيحة، كمحاولةٍ منه لكبح جموح صباي، إبان فترة قيادتي الأولى. كان يردد أن القيادة الهادئة، تستنفد وقوداً أقل ولا تُنقص عُمر محرك العربة، مثلما أن رحلة مطمئنة رائقة لن تجهد السائقَ، وبالتالي ساعات عمل أكثر ودخل، بل وربما توحي دماثة كهذه بالأصل الكريم، وتجد أن الراكب ختاماً لن يبخل بأجرة جيدة. ثم كان وفور إيضاحه هذا البُعد الاقتصادي، عبر نبرة عملية، يفترّ ويأخذ عيني نحو منطقةٍ مغايرة، مردفاً أن الهدوء فرصة تأمل في الدنيا وفي الأحوال، ولابد للمجبرين على الوحدة في عربة، كأمثالنا، من منفذ تسرية، يجتلب شيئاً من المتعة إلى أوقات العمل، بما يعيننا كي نواصل. وكان آنذاك يطرقع من فمه، مصدراً نغماً عذباً، شبيهاً بوقع حوافر خيل يتهادى، فيما يرسم لي صورة جده، معتلياً حنطوره في الهواء الطلق، بعيداً عن أقفاصنا المعدنية الحالية، بين زبائن من زمن آخر، كرامٍ، وغصون أشجارٍ تخرمش إذا غفا المرء في وجهه، وليست في قسوة ما نلاقيه حالياً في وجوهنا، إذا ما دبّ الإرهاق في أحدنا وسقط جفناه عنوة، ولو لبرهة، وهذا أدعى للحذر. وكان يبدو لي أن ما استدعاه من صور، بغرض التأثير على سلوكي، يؤثر فيه هو شخصياً عند هذا الحدّ، إذ ما يلبث أن يتنهد، مختتماً حديثه بإبداء تحسرٍ على صفاء أيام زمان.
ولا أنكر، أن استهانة بكلماته -في البدء- كانت تساورني وإن لم أبدها له بتاتاً. إلا أن ما رأيته قديماً مجرد حشائش هشّة، دأب يتغذى بمعزلٍ عنه، مما رأيته بعدئذٍ في الحياة وفي الطريق، كيما ينمو ختاماً كآجامٍ كثيفة داخلي، تظلل سلوكي وترعاني. إن كلماته مثّلت بذوراً ضئيلة لم أعبأ أول الأمر بانغراسها، ولم أدرك مدى تأثيرها إلا حينما تشكّلت مخاوفي من الحياة في شكل سقاية، مثلما أن نقراً من بنوة ومن وفائي، إلى الراحل، ظلّ يوسّع في دخيلتي مكاناً كيما تنمو بذوره هذه أكثر في حرية وتتفرع. وفاجأني بين يومٍ وعشيّة، أنني بتُّ أنظر إلى أيّة رعونة كمضادة للفطرة وككارثة وشيكة. لذا، فقد اكتسب هذا الضخم فوراً تعاطفي فيما أراه واقفاً بلا حيلة، أمام الأحمق الذي كان يسرع صوبه.
ولمحته بادي التردد وخطوه يتشتت بين الجهات. وأظن السائق الأرعن فطن مثلي إلى مخاوفه، لكنه خلافاً لي لم يعبأ بها إذ أخذ يناوره بالعربة، مثل قطّ متخمٍ يتلاعب بفأره ويهزأ به لأقصى مدى، كأنما قرر اتخاذ الغلبان هذا وسيلة تسلية. كان العابر آنئذٍ تماماً في وسط الطريق، وقد نحا تردده إلى ذعر، عطلان العقل لا يدري أين يلوذ، بل ورافعاً ذراعيه، لا إرادياً، مثل غريقٍ يائس، فاغراً فمه كأنما أوشك أن يستغيث، ولكن نداءه منحبسٌ في حلقه جراء ثقل الذهول.
كان الطريق حولي ولوهلةٍ، ممتلئاً أيضاً بنوعٍ من توفزٍ متعاطف، برز في أغلبية نظرات المتابعين، إلا أنه لم يتخذ صورةَ مساعدة أكثر إقداماً. ومن خبرتي، أظنّ أن توقفه عند هذا الحدّ، حدّ النظرات، دون تلبّسه حتى، شكلَ صياحٍ تحذيري أو إشارة كفّ إلى السائق الأرعن، لم يكن جراء أخذة ذهول ولا لخشية من إصابة بضرر خلال السعي إلى الإنقاذ، بل كان نوعاً من خجلٍ أصاب هؤلاء العابرين، ويمنعهم عن إبداء اكتراثٍ كبيرٍ بشخصٍ غريب، إذ أن هذا يوصم في قاموس الشارع بالسذاجة والعاطفية، التي تمهر قلوب الإناث الغضّة فقط، وتماماً مثل اعتياب أي مبادرة إنسانية، يمكن أن تُعزى إلى الضعف. درجة أن البعض سرعان ما أدرك أن هذا المشهد المباغت ورّطه في نقيصة إبداء رقة واكتراث ما، فبادر من فوره إلى تكميم نظرة تعاطفه حتى، سواء بإشاحة الرأس كليّاً عن المشهد أو بتلبسه ابتسامة مهزوزة، حرص أن يراها من في محيطه من أجساد، كمحاولة لنفي تهمة الحنان عن نفسه.
لقد بدا لي كأنما ثمة حصار من عسكر حياء، يطوّق ردة الفعل، فيما أن أطفالاً ما زالوا يقطنون داخل هذه المدن، ويعذبون الأجساد بأنين الجوع وصرخاته، لكنما أسفاً فليس من حلّ، سوى كتم هذه الأفواه الصغيرة، كي لا يدرك العدو مدى ما في دواخلنا من بشرية وهشاشة، ولو أدى هذا الكتم حتى، إلى مقتل شيء من الطفولة، ضماناً لاستمرارية ما يسمّونه حياة، داخل هذه المدن.
غير أن مدد النجدة سرعان ما أتى، في هيئة مناورة بارعة من الأرعن، أدركنا عبرها أنه محض ماهر يعبث، ويعي تماماً ما يفعله، أي أنه ليس ساقطاً في نوبة غفلة ولا موحولاً في الارتباك. وكان هذا مثل قطعان لا نهائية من خرفان تعبر أخيراً بوابات المدن، وبالمقدور الآن، أن نطعم من صمد وتشبث بالحياة من أطفالنا، وهم نوعاً أجلاف وقطعاً على مقدرة جيدة من تحمل وذوو منفعة، وفي أحيانٍ نعزو إليهم أخطاء المدن وعثراتها، عوضاً عن إحراج الكبار.
وابتسمنا جميعاً ساخرين من جوعنا السالف، غير أنه من الجيد إحالة هذه السخرية نحو تلخبط العابر، كي لا تلصق مدينة منّا بذاتها معيبة الذعر من الجوع، أمام مدنٍ أخرى غريبة، وإن كانت المصادفة حملتنا الآن على التجاور. بل ومنّا من ارتجّ ضاحكاً في افتعال، كأنما يبرهن لنا على ذكائه وعلى أنه أسبقنا في فهم اللعبة وفي التخلص من مذمة المشاعر، أو من فعل صدقاً لكنما تأثراً بارتجاج الجسد الضئيل للسائق المُسرع، الذي يكركر كذلك، وكان في هذه الأثناء يقرع مقوده في عشوائية، مصدراً أقصى ضجة من آلة التنبيه، وبدا لي أن المارة لحظتئذٍ في تواطؤٍ تام وقد أدركوا أن ضجيج الآلة لا يعني فقدان سيطرة ولا محاولة تحذيرية منه، إنما فقط مزيد من لفت الانتباه إلى المشهد، وطريقته في زيادة درجة جزع العابر إلى أقصاها، لمنح الناس متعة الفرجة.
غير أني، وعند هذا الحدّ من التمادي، كنتُ أجفو الابتسام، وبتّ أشعر بنقمةٍ على الأرعن الذي يستعرض علينا قدراته، كأنما لا أحد سواه بمقدوره أن يقود عربة بمثل هذه البراعة. وخلتُ وهلة أني ألحق به رغماً عن سرعته وعن المسافة الفاصلة، وأن أعترض طريقه فأناوره كيما أؤدّبه وأريه مقامه. ورأيته يتفاداه ويعبره في اللحظة الأخيرة، بشكلٍ بهلواني يثير الغيظ، مؤكداً على مقدرته كقطٍّ ماهر، فيما ضحكاته تكتسح الشارع عبر نافذته المشرعة.
لاح أن الضخم التقط أخيراً زمامه؛ تنحى ذعره عنه كيما يفسح طريقاً أمام مشاعر الخجل وما حاق به من إهانة أمام عيون كثيرة حاضرة، مستوعباً أنه غرّ ومحض ضحية لملعوب.
ورأيته يومئ مترفعاً وفي إهمالٍ لمفردات مواساة، لفظها المحيطون به فيما كان جلياً في الوجوه أثر من الانبساط، وكأن هذه المواساة محض استكمال، لكنما مُغلّف، لحالة السخرية. ثم كان يتباطؤ عمداً خلال المسافة التي تفصله عن الرصيف، كأنه يجلو لحظة ضعفه السالفة باصطناع جرأة عجيبة. بل وتوقف تماماً في لحظةٍ ما، فور استيعابه أن توانيه هكذا في مقدوره أن يعطّل حركة المرور، وأخذ يزعق ويسبّ العربات المارة في لا منطقية، في حين أن هذه تتفاداه محاولةً تجاوزه، وهي عربات تسير أساساً متروية.
ثم رأيته يحملق نحوي، أقبل وتسمر أمامي ولا أفهم، هل لكوني عربة أجرة مماثلة! أم ربما لاحظ هدوئي في القيادة، مدركاً من التصاقي بالرصيف أني أبحث عن زبون، لذا فمن اليسير أن أتحكم في توقف العربة.
كنتُ متعجباً وأشرت عبر الزجاج الأمامي كي يتزحزح، فما كان منه إلا أن اقتعد صندوق المحرك مولياً لي ظهره. أطللتُ برأسي من النافذة أسأله النزول مستوضحاً العلّة وراء ما يفعله، فاستدار ملقياً لي نظرة هازئة ومردداً أن هذا جزاءً لسيري الأخرق. لقد كنتُ عاجزاً وقباله بلا حيلة، أنكرُ مسألة تهوري في القيادة درجة أن أقسم له بحياة أبنائي بل وفي لحظةٍ ما وأمام لا جدوى إنكاري وجدتُ نفسي عفوياً أستسمحه وأرجوه في سذاجة، وكان هذا في ظني خطأً أدى به إلى التمادي، إذ انهال بشتائم قذرة فوقي بينما يلطم الصندوق بيديه الجبارتين.
قليلاً وهبط من فوق العربة، مفسحاً لي مسافة بسيطة تسمح لي بصعوبة أن أغير مساري وأتجاوزه، كأنه أخيراً يعفو عني لكنما مع نفحة أخيرة من إرهاقي. أدوّر المقودَ ولكنه ما يلبث أن يرتد فيسدّ الطريق أمامي مجدداً، ملتذاً لحينٍ من الوقت بملاعبتي، كأني فأره، فيما كسا عينيه عنادٌ ظافرٌ لمن يعي عجز خصمه.
لقد ملأني شعور أنني مغفل، رأيت الشارع مرة أخرى غارقاً في الكركرة، وطاف في خيالي أن أضغط دواسة الوقود إلى أقصى حدّ، بكامل عزمي، وأن أراه يسقط أمامي والعربة تعتليه كأنه مطبٌّ قذر غير متوقع، أن ينبثق دمه أسفل ضغط الإطارات مثل نافورة، تلطخ ما حولي من ضحك، أن يدفّ في أذني صراخُ ألمه الأخير خلال تسرب الحياة من جسده الدنس، بل أن تتسرب الحياة من كافة الأجساد الضخمة المماثلة، وأن تسكن كلّ الأيادي الغليظة الشبيهة بمن صنعت انبعاجاً في صاج عربتي وأنا خلف مقودي بلا حيلة.
نعم، طاف في خيالي تتابع من مشاهد وطاف، ولكنني في الأخير كنتُ أهبط من العربة، أتركها دائرة فيما بابي مشرع، وتبدو لي هكذا مثل طائر، مهيض الجناح، أخطو، أقتعد حافة الرصيف، منكس الرأس، مثل من ينتظر فرجاً لكنما يدرك أنه غير موجود. وأذناي تمتلئان بنقرٍ من حوافر خيول، تخطو من البعيد، فوق هذا الأسفلت.