نادين باخص: عن الفرح الغائب

لم تكوّني مسلسلات هيثم حقي وحاتم علي وباسل الخطيب فحسب، ولا قصص المكتبة الخضراء التي كان أبي يصطحبني أيام الآحاد ليشتريها لي، يملأ عينيه الفرح بطفلته التي تحبّ القراءة. ليس فقط مجموعتا جبران خليل جبران العربية والمعرّبة التي أهدتني إياها أختي حين حصلت على الشهادة الإعدادية، أو كتيبات نزار قبّاني الكثيرة التي وجدتها في مكتبة والديّ واشتريت العديد غيرها.. ليس فقط أغاني فيروز في صباحات حمص الباردة قبيل انطلاقنا أختي وأنا إلى نهاراتنا، وألبومات سيلين ديون في ليالي حمص الطويلة.
لقد كان لمصر كذلك يدها المباركة في صنعي، دراماها التي وهبتني نعمة إتقان اللهجة المصرية وأغانيها التي كانت تترامى في أصداء بيوتنا نحن السوريين الممسوسين بروح وحدة عايش وهمها آباؤنا. أشرطة كاسيت والدي التي حوت المجموعات الكاملة لأغاني الست وعبد الوهاب وكارم محمود وسيد مكاوي. عندليبها في مساءات مراهقتي المشوبة بالطفولة الذي جعلني أعشق نيلها وأشرب من مائه قبل أن أطأ أرضها المباركة.
كوّنتني الكثير من الأغاني التي كنا أختي وأنا نغفو عليها مع أثير إذاعة سترايك اللبنانية، وتحديداً فقرة (قديم سترايك) التي كانت تروي شغاف قلوبنا المراهقة.
راهقتُ بحزن شديد خصوصاً في المرحلة الإعدادية، وكنت في تلك السنوات كثيرة البكاء وكثيرة الهموم ذات الطبيعة التي ربما يندر أن تحملها فتاة في ذلك العمر، مثلاً كنت أخاف كثيراً على أختي التي تكبرني بسنوات، وأقلق بشأن دراستها وامتحاناتها وأبكي حين أراها لا تبالي كثيراً بدراستها. ومن الأغاني التي كنت أنتظرها بشوق لأسمعها في الفقرة الإذاعية (قديم سترايك) أغنية (يا أم العيون حزينة) للمطرب هاني شاكر وأغنية (منيش خاين) لعماد عبد الحليم. لم أكن أعرف عنه شيئاً سوى أنه توفي شابّاً حيث وجدوه ممدّاً على أحد أرصفة القاهرة في حادثة وفاة ظلت ملتبسة الأسباب، وكذلك لم أعرف له أغنية ثانية سوى أغنيته الأكثر حزناً (طريق الأحباب) التي يبدؤها بكلمات يلقيها قبل مباشرته بالغناء:
رجعت بلدنا بعد سنين من الغربة/ وكان لي فيها بيت ونخيل وأحبّة/ رجعت أعيش ليالي زمان، وأنس زمان، وحبّ زمان/ وأول ما طرقت الباب، فتحتلي/ لا بصّتلي/ لا ضحكتلي/ زعلت/ لكن دخلت الباب أدوّر فين… فين.. فين طريق الأحباب.
في تلك اللحظات كنت أحسّ أنني أنا التي كنت مسافرة وعدت إلى بلدي، ويتراءى لي مشهد كئيب أرى نفسي فيه أجلس على أرض الشارع، متمرغة بعتبة بيتي أشهق بالبكاء، وكأنني عند استماعي لهذه الأغنية كنت أرى (ذكريات الزمن القادم)، وهنا لا أتحدّث عن مسلسل المخرج السوري هيثم حقّي الذي يحمل هذا الاسم بل أتحدّث عن حاضري أنا البعيدة عن بلدي، ولا أمل لي بالعودة إليه إلا بعد المزيد من سنوات الغياب، وليس في بالي سوى المشهد نفسه: العودة والجلوس عند العتبات.. عتبة البيت الذي ولدت فيه وعتبة بيت أهلي الحالي وعتبة بيت جدّي.
في حقبة التسعينيات ذاتها تعرّفت على أغنيته (خدتني المدن) وعرفت أنّ عماد عبد الحليم هو عمّ المطربة أنغام التي عرفتها مثل كل فتيات جيلي مع أغنية (إلا أنا)، من ثم (يا طيّب).
عام ٢٠٠٤ شاء القدر أن أسافر إلى مصر برّاً وبحراً. دخلتها مع أربع صديقات عن طريق مينائها على البحر الأحمر (نويبع)، مصابات معاً باللوثة ذاتها، لوثة وصولها دون أن نعي ما يمكن أن نواجه من أخطار في ذلك الطريق المحفوف بالمجهول، ودون أن نتخيل للحظة أن الشاب الوحيد الذي رافقنا في رحلتنا الطويلة، يخفي وضاعته تحت ابتسامته التي سرعان ما هرهرت مثل ورقة خريف ابتسمت لكاميرا مصور ابتسامتها الصفراء قبيل أن تسقط على الأرض، وهرهرت معها توصيات أبي له بأن يرعانا مجيباً وهو يصافحه بأننا (أخواته)، مقبّلاً إيّاه قبلتي يهوذا الإسخريوطي.
رحلة بدأناها من حمص مروراً بدمشق فعمّان فالعقبة فنويبع، واجتزنا بعدها صحراء سيناء لنصل أمّ الدنيا.
لم نتخيّل للحظة أنّ مئات الأيادي ستنهال على أنوثتنا فيما نتّجه للصعود إلى العبّارة الضخمة، يلّفنا ليل العقبة الرطب، ولهاث الهرب من وحوش ضارية لم نجد سبيلاً لردّها عنا سوى الاحتماء ببعضنا البعض مطلقيات العنان لصرخاتنا ودموعنا.
وصلنا أرض مصر وحيدات لا نعرف أي مجهول ينتظرنا وعندها حان وقت أن أستعين بإتقاني للهجة المصرية، وسرعان ما أنقذنا الله بشابين طيبين من شبّان الكنيسة، وثقنا بهما ليس لأنهما أوحيا لنا بالثقة منذ اللحظة الأولى، بل لأننا كنّا بحاجة إلى سند ما، ومن الأحداث الطريفة أن أحدهما استطاع تأمين شقة مفروشة لنا في حيّ شبرا، يقع فوق (قهوة رجّالة) تظلّ أغنيات الست طوال الليل تُبث منها، (رجّالة) ظنّوا – مثل معظم المصريين حينها – أننا (خواجات) كوننا كنا مستشقرات، والشيء نفسه كان يحدث معنا كلما حاولنا أن نتكلم باللهجة المصرية مع أصحاب محال خبز (الفينو) والطعمية وخان الخليلي، فما كان منهم إلا أن يتهموننا بجملة (إنتو خواجات) التي يقصدون بها أننا أجانب، فلم يكن للسوريين وجود في مصر مثلما هو اليوم.
مرّت سنوات بعد تلك الرحلة العجائبية التي مشيت خلالها في الشوارع التي لطالما تراءت لي في أصوات المغنيين المصريين وأغانيهم، وتعرّفت بأخت أنغام (غنوة) قبيل وفاتها بشهور قليلة من خلال حوار كانت تتحدّث فيه عن العمل التمثيلي الأول الذي شاركت فيه مسلسل (الأب الروحي) والذي كان للأسف الأخير. استوقفتني حينها الرعشة في صوتها وكيف بدت تقف على حافة البكاء وشعرتُ أنها تفتقر إلى الثقة بنفسها، فبحثت لها عن المزيد من الفيديوهات ووجدتها تبدو بالارتباك نفسه وسمعتها تقول في إحدى اللقاءات إن أختها أنغام هي التي وقفت في طريقها ومنعتها من الغناء، ورأيتها تبكي من دون سبب واضح في فيديو آخر.
توفيت غنوة في حادث سير عام ٢٠١٨ عن عمر ثلاثين عاماً، هي المولودة في ٨/٨/١٩٨٨. هالني الخبر وشعرتُ بالقشعريرة من رقم ٨ المتكرر في تاريخ ميلادها ووفاتها، وبدأت مثل ساذجة أبحث في دلالاته التي يخبر عنها علم الأرقام.
توفيت غنوة في مشهد عبثي يشبه مشاهد حياتنا العديدة التي نعايشها ونعيشها يومياً، وكانت العلاقة بينها وبين أنغام _أختها غير الشقيقة من والدها_ مقطوعة منذ سنوات، حيث كانت آخر مرة اجتمعت بها عند والدها قبل رحيلها بسنوات ثلاث.
كلما استحضرت قصّة رحيل غنوة تتراءى لي يد خفية تخطف روحها وسط زحام شوارع القاهرة الذي أعرفه جيّداً. تلمسني قصّة حياة هذه الفتاة على الرغم من أنني لم أستطع تلمّس حقيقة المشاكل التي كانت تعاني منها، وأشعر بالغبن لطفلها المسكين، ولها لأنها لم تستطع تحقيق أحلامها، ولأن أحداً أو شيئاً ما كمّم صوتها الدافئ.
ما يزيدني حرقة هو بكاء أنغام خلال حفلتها الأولى بعد وفاتها وهي تغني أغنيتها (عن فرح غايب) التي أعتقد أنها من أجمل ما غُنّي في تاريخ الأغاني العربية المعاصرة، أنغام التي التقت أختها بعد انقطاع سنوات في غرفة غسل الموتى، وقفت على المسرح بتلألؤ ثوبها الأسود الفاخر الذي تناغم مع الإضاءة تناغم الموت مع المرارة، بينما رسم جلال المأساة صوتها المتهدّج، ولم تلبث أن انهارت باكية وأخذت تنوح وتلطم في صورة تناقضٍ شديد بين طلاء أظافرها الأحمر ومجوهراتها الثمينة، وشباب أختها الفاني، لتتوّج فرح أختها الغائب وفرحي وفرح الكثيرين بطلاً أوحداً لعصرنا الحالك.