نور حمدي: لعنة الملح

Mirtha Moreno, “Salt and Pepper II”, 2020. Source: 1stdibs.com

إلى كل من لم يستطيعوا سوى أن يلتفتوا
.
كانت خطيئته أنه التفت
وتوقف عندما مضى الجميع
غير عابئين بالكارثة،
أو هاربين منها
أو باحثين عن غيرها
رأيته في مسيري
كان أمامي
ظهره لي
وظهري للأعين الماضية
ناديته
وحينما التفت
أصبحت في مرمى عينيه
أنا
والماضين
والمهزلة
تفصلني عنه سنون المسير
ذاك من قال لي يوما
“سنصعد هذا الجبل الكبير”
وحملني بين أذنيه كقُبعة
الآن أراه
عيناه تخترقني لما ورائي
يملؤه الملح
وفي عينيه انعكاس أدخنة
العام الأول للمسير
ملأ الملح جيوب ثوبه
وفراغ حذائه
وصحنه
وتجويف الملعقة
العام الثاني للمسير
ملأ الملح نخاع عظمه
وجوع بطنه
وصدى جوفه
وأحداث الذاكرة
العام الثالث للمسير
ملأ الملح أذنيه
ومقلتي عينيه
وشرايين قلبه
ودماء الأوردة
العام الرابع للمسير
أصبح الملح شعره ولحيته
على المقهى
غسلناه بالماء
والقهوة
بالخمر
والنشوة
فركناه بتبغ السجائر
وجمر الفحم
بأحاديث الجالسين
وبالأسئلة
أهذا من رأى؟؟
لقد نظر!
إذن فقد رأى
ماذا رأى؟
وأي لعنة جعلت مغني القرية عمود ملح؟
لم يجب
و لم يجفل
و لم يذب الملح
و لم يتصدع.
قالت امرأة
اجعلوه يبكي
فلا أمل فيه إن لم يبكِ
إن بكى كفاية
سيحمل الدمع الملح من داخله
و يلقيه خارجًا
و ستذوب لعنته.
كان في حديثها بعض شعوذة
و بعض عقل
فلطالما كان مذاق الدمع مالحًا
وأنا لم أسأل من قبل
من أين تأتي الدمعات بالملح
قالت: اجعلوه يبكي
فليبك حزنًا
أو فرحًا
أو ألمًا
أو لوعة
المهم أن يبكي
التف الجميع حوله
أمطرناه بأحاديث المعارك
وأهوال الكارثة
وأسماء من فقدوا
ومن رحلوا
ومن انصهروا في البوتقة
سردنا الحكايات
وأطلقنا النكات الماجنة
حتى إننا ضربناه
وصلبناه
وبصقنا بين ضلوعه
وأوقدنا من تحته
وتعرينا
ورقصنا حوله
لكنه لم يبكِ
ولم يجفل
بكى الجميع
من لم يبك حزنًا
بكى ضحكًا
أو كمدًا
أو ألمًا
ثم انصرفوا
ذاهلين
عرايا
يتحسسون الجدران
منهكين
وقد أغشى الدمع أبصارهم
وتركوه في المقهى
في الصباح تركته أنا أيضًا
وعدت إلى حيث كانت القافلة
إلى حيث التفت هو
لأتجرع لعنتي
وليملأني الملح
تتبعت آثار المسير
شاخصًا في الأرض
خائفًا أن أرفع رأسي فتصيبني لعنة الملح قبل أن أستعد
العام الأول للمسير
ملأ الجوع جيوب ثوبي
وفراغ حذائي
وصحني
وتجويف الملعقة
العام الثاني للمسير
ملأ الخوف
نخاع عظمي
وجوع بطني
وجوفي
وأحداث الذاكرة
العام الثالث للمسير
ملأ الخمر عينيّ
وأذنيّ
وشرايين قلبي
ودماء الأوردة
العام الرابع للمسير
أصبح المسير هو الشعر واللحية
رفعت رأسي
ونظرت
لكن حين ملأني الملح
احترقت عيناي
وبكيت