مالك رابح: الخيط الأبيض السميك

Still from “The White Ribbon” (2009). Source: evanerichards.com

عيد الأم. انتهى اليوم الدراسي بعد ثلاث حصص. قرع البواب الجرس المعدني ونزلنا إلى الحوش الواسع. كان الجو خانقًا وكنت عطشانَ. في الحقيبة زمزمية لم أرد أن أخرجها وسط كل هؤلاء. أجلسونا كيفما اتفق على الرمل الساخن. فصلنا يحوي ثلاثة وأربعين طالبًا والمدرسة خمسة أدوار وفي كل دور ثلاثة فصول، على يساري صف من طلبة الصف الثالث وعلى يميني أحدهم يجلس القرفصاء، يحيط الذباب بفمه المفتوح، يبتسم ويسيل منه اللعاب. الرقع على قميصه الأصفر وبنطاله البنّي مصممة بخيط أبيض سميك، شعرت بالقرف. يتدافع الطلبة فأصطدم به. رائحته بشعة.
وضع الأخصائي الاجتماعي عدة الميكروفون على طاولة قاموا بأخذها من المكتبة خلفها أربعة كراسي من الخشب. صفَّق الولد وصرخ. رائحة فمه أيضًا كريهة.
كان من الطلبة المستمعين الذين يجلسون في آخر الفصل، سمعت المدرسة تناديه سالم أو سليم، لا أتذكر. لستُ جيدًا في حفظ الأسماء، أنا بارع في الحساب وأحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب. يقولون إنني لستُ ذكيًا كفايةً لكن أبي يخبرني العكس.
خرج الناظر من حجرة جانبية وخلفه رجلان وامرأة، توزعوا على الكراسي خلف الطاولة. صفق التلاميذ بعدما أمرهم الأخصائي الاجتماعي الذي وقف ممسكًا بخرطوم بلاستيكي أحمر من الذي يستخدم في التوصيلات الكهربية، يضرب به الجالسين في الصفوف الأمامية عند تجاوزهم حد معين. صفير من ناحية طلاب الصف الخامس والسادس، التفتُّ يمينًا، قطرة من العرق نزلت ببطء على جبين الولد، كان حلقي جافًا وجلستي غير مريحة. أدار أحد الرجلين عدة الميكروفون فأصدرت صوتًا كاحتكاك الحديد بالسيراميك، خبّط عليه خبطتين ثم ناوله للناظر الذي أعلن بدء برنامج الاحتفال بعيد الأم. طالب من الصف السادس يقرأ القرآن كقراء قناة المجد. نشيد بلادي. يقول العيال “كملنيلس” بدلًا من “كم لنيلك”.
ولد صوته رفيع يغنّي الأم صيغة للزمان عينها. الناظر يخطب ومن معه وككل عيد أم تغني طالبة ست الحبايب يا حبيبة، فتبكي ميس نجلاء وتتحلق حولها المدرسات. مات ابنها حسام غرقًا منذ ثلاث سنوات. في النهاية، يُحضر الأخصائي الاجتماعي عدة مظروفات، شهادات تقدير تسلم للمتفوقين من طلبة الفصول الرابع والخامس والسادس. صفّق الولد بشدة وذراعاه مفرودتان على آخرهما. لثانية، أشفقت على يديه من الألم. نودي على تسعة طلاب من فصلي ولم يناد على اسمي. لا أعرف لماذا، أنا مجتهد، لا أغيب، وكل كشاكيلي كاملة. أمسكتُ قبضة من الرمل وتركتها تتقطر من بين أصابعي. استكمل الناظر توزيعه شهادات التقدير. الطلبة يتسلمون الشهادات وهم في غاية السعادة. أخرجت الزمزمية. تنقلت عينا الولد بيني وبين الزمزمية الحمراء. لم يتحدث، اللعاب يسيل من فمه المفتوح وحين التفتَ فجأة إلى دوشة في الصف المجاور له ظهر الاتساخ جليًا على ياقة قمصيه. أغلقت الزمزمية. بلع ريقه.
أدخلتها في حقيبة ظهري الوردية التي طالما سخر منها التلاميذ في الفصل. رفع الولد يده اليمنى وشكلها مثل كوب يقربه من فمه ويبعده، الأوساخ داكنة الخضرة كثيفة تحت أظافره الطويلة. بيده الأخرى خبّط على صدره. أغلقت سحاب الحقيبة ونظرتُ إلى الطاولة، كان أحد الرجلين يحاول الأقتراب أكثر بكرسيه من المرأة. نقر الولد يدي بسبابته وكرر الحركات نفسها، تجاهلته. أمسك يدي بيسراه. نظرة بلهاء من عينيه لم يحولها عني. لم أعرف كيف أحرر نفسي فأعطيته الزمزمية، لم يكن بها من المياه سوى القليل وبكل الأحوال، لم أكن سأشرب منها بعده طبعًا. حين أبعد الزمزمية عنه بعد ثوانٍ رأيت خيوطًا من اللعاب تصل بين فوهتها وفمه، وشئ ما اختلط بالنظرة البلهاء عندما أعادها إليّ. ألقيت الزمزمية في الحقيبة متقززًا ولم أعاود النظر ناحيته. بعد دقائق انتهى الحفل بإشارة من الناظر للبواب كي يفتح البوابة السوداء الكبيرة.
طلبت من أمي أن تغسل الزمزمية جيدًا وجلست أشاهد التليفزيون وأنتظر مجئ أبي من عمله. حكيت له باكيًا الذي حدث فضمّني إليه ثم خرج وعاد بشهادة تقدير كبيرة وقلم ماركر أخضر. جلستُ جواره على طاولة السفرة حتى انتهى من الكتابة وسلمها لي بطريقة رسمية، قرأت مرة أخرى المكتوب عليها: شهادة تقدير، إلى الطالب علي محمد يوسف، لتفوقه في المواد الدراسية كلها، إمضاء محمد يوسف، تحرير في ٢١/٣/٢٠٠٤.
استكملتُ مشاهدة التليفزيون وبجانبي الشهادة. التاسعة مساءً، قمت ووضعتها في درج الكومود جوار السرير.
الصباح التالي وضعتها بحذر داخل كتاب كي لا تنثني حوافها في الحقيبة. أردتها بحالة جيدة وقت عرضها على من بالفصل. في الفسحة كان هناك كثير من التلاميذ في الفصل، أخرج الذين كرموا بالأمس شهاداتهم فأخرجتُ شهادتي ورفعتها كي يحصلوا على رؤية أفضل. نظروا إليَّ باستنكار وقالت فتاة ضئيلة الجسد “بس انت ماتكرمتش امبارح معانا”. اقترب مني ابن مدرس اللغة العربية، هات الشهادة دي كده؟ ضممتُ الشهادة إلى صدري. اقترب مني وأمسك بطرفها، سيبها علشان ما تتقطعش، سيبها مش هاكلها. تركتها له، تابعته يمر على المكتوب عليها بإصبعه، دي شهادة مزورة، أبوه إللي عاملها له. انفجر الطلبة ضحكًا. مزق شهادتي إلى نصفين وتركهما يسقطان إلى البلاط. تاهت صرختي وسط ضحكاتهم. حاولت منع الدموع في عيني من النزول بينما شاهدتهم يخرجون من الفصل جميعًا.
من الخلف، أتى الولد بقميصه الأصفر والبنطال البني والرقع. حذاؤه قديم بالٍ تظهر منه أصابع قدميه، لم يكن يرتدي جوربًا. انحنى الولد والتقط النصفين. رأيته يجذب خيطًا من خيوط الرقع حتى صار حرًا في يديه. صنع ثقبًا واسعًا في نصف من النصفين، سألته انت بتعمل إيه؟ حول عينيه تشكلت أرجل غراب وقال شيئًا بصعوبة من بين شفتيه.