هدية رأس السنة: ثلاث قصائد من ديوان أحمد يماني الجديد

الوداع في مثلث صغير

Pink by Youssef Rakha

الصوت
يأتيني الصوت من مكان لا أميزه
حتى نبرة الصوت تبدو قادمة من طبقات من العدم
لكن الصوت يصل بطريقته ويهمس لي:
ليس الأمر شخصيا
لا تحزن
كان ممكنا أن ينالك ألم آخر أقسى
لكن ما الفرق؟
أن تتكور وتظل تتخبط في جدران وهمية 
وأن يكتب عليك أن تظل رافضا لصورة فرضوها عليك وقد حاكوا المؤامرة بحنكة لا تفهمها.
ما الفرق؟
بل لابد أن تفرح، فعلى الأقل لديك ما تدافع عنه.
ليس الأمر شخصيا
يقول الصوت
ومع ذلك اغفر لي.
في كل خطوة
في كل خطوة
كنت أنزع طبقة من جلدي،
وكان القدر ينزلق خفيفا على أبواب البيوت
وعلى الحوائط 
في خيالات مستقرة
معروفة للجميع.
ثم قطع البرد قدميّ
لكن خبطة القدم
كانت تأتي من خطوة سابقة على القدم نفسها
من الأحجار على جانبي الشارع
تلقى عليها من الجانبين
من طيور ومن بشر.
ما كان لأي فهم أن يدرك هجمة الطيور والأحجار
ولا الكائنات القاتلة التي تزيح القدم،
ولا العنف في كل عين
ولا الخطر ليلا ونهارا.
ثم أتى خطأ الكلمات
وتراكمت كل طبقات الجلد على بعضها
ثم جاء الكذب وراء الكلمات
وجاءت الدماء وجاء الموت.
كانت لا تزال هناك نهارات
كان العالم حسنا؛
أمطارا ورياحا خفيفة ونوما دافئا وحمى وآلامًا في الصدر،
كان تفوقًا على الأقران وكان خوفًا.
كانت الأم بحدس يخطىء ويصيب
تبعد يد ابنها عن الكلمات، تغريه بطعام، بحذاء، بقميص، 
تنهره، ثم تشتري له الكلمات يائسة.
كانت الحياة قشعريرة جلد في صباح باكر ونوما على كلام الناس.
وفجأة فتح الباب
على هاوية سحيقة أفقية
بدل الانزلاق فيها يتقدم الواحد
وبدل أن يهوي
فإنه ينام
وبعد أن كانت الحياة قشعريرة جلد
أصبحت نخزات ومسامير
ثم إن المسامير صدأت
وكان الأمر أمرَّين.
ثم كانت النظرة، كانت المرة الأولى، ثم انجرح القلب، ثم لم يلتئم.
كانت النظرة نظر النفسين.
ثم كان الحب، ثم اختفت المسامير، ثم عادت.
كان القدر العظيم يحملني إلى النهاية، 
أرى كل شيء وأصمت
وفهمت أنه في يوم قادم ستختفي الأحجار والطيور والبشر.
أنا خطوة أبي العرجاء
لهذا أرى العالم مائلا من زاوية ما.
لكنه ميل محدد، فمن يحتمل الانهيارات الكبرى؟
في الطريق، بهدف قطعه كاملا، بهدف الوصول إلى المُقام.
كان يمكن أن يكون طريقا آخر، قديسا آخر، مولى آخر، لم يوجد أبدا، وماذا يهم؟
من ذهب هناك ذهب من أجل نفسه، من بكى ومن لطم خديه ومن ظل يهذي ومن ظل في سُكر غير مقطوع.
لذا فإن في كل خطوة نزعا جديدا، كأننا كنا هناك مرة واحدة ثم على مدار الأيام نخفف أحمالنا، 
نخفف أكتافنا التي لم تفهم أكثر منا.
ثم يأتي الماشون على الماء دون أقدام والطافون دون جسد.
قبل أن تعبر دع نفسك في أرضك حتى إذا ما ابتلعك البحر 
وجدك دون نفسك وحتى إذا انتشلك أحد فإنه ينتشل جسدا طافيا، 
لكن لماذا نفصل الأجساد والأرواح؟ 
لأننا أردنا الذهاب إلى ما لا يُذهب إليه، إلى المرآة الكبرى، 
إلى الثلاثين طائرا، إلينا في النهاية. أمن أجل هذا ألمنا؟ 
أم أن الألم هو مبدأنا؟. 
ضع قدميك على الأرض البعيدة، لا يمكن أن تكون جديدة أبدا، 
لذا هي بعيدة، لذا هي أرض، ضع قدميك عليها وليكن ما لابد له أن يكون.
من المؤكد أنني أخرجت من داخلي كائنا آخر 
كان يتشكل طوال أعوام بانتباهي وبعدمه. 
أنا الآن أب لنفس جديدة وابن لأب قديم.
معاملة الليل
في الاندفاع نحو الأرض البعيدة، ينسى الواحد شيئا ما في موضع ما يظل يبحث عنه دون جدوى ذلك أنه لم يعرف أبدا ماذا فقد وفِي هذا بالتحديد يكمن الاندفاع نفسه نحو الأرض البعيدة، أن تفقد ما لا تعرفه 
 وما لا يجب أن تعرفه.
في الثالثة صباحا جاء الخبر، تلك الكلمة الدقيقة لوصف الموت.
بالأمس، فقط بالأمس، كنت أتألم، كان الألم في منتصف ظهري، في نقطة بعينها تبلع الألم وتعيد إنتاجه في منتصف ظهري
كان الألم، ذلك الوضع الأصعب، ساعة أنظر إليه وأفكر في الزمن القصير الذي عرفته أول مرة في الخامسة دون سبب معين. الآن بلا ألم، بلا أدنى ألم حيث أصدق أن كل شيء انتهى كما لو لم يوجد أبدا. بالأمس فقط كنت صافيا في منتصف ظهري.
يحمل جَدّا نحيلا على ظهره في زحام الخلق.
جسد أبي الميت يتحرك وفقا لحركة رجل لا أعرفه يغسل جسده الذاهب إلى القبر.
كانت دراجة أبي الكبيرة وراء الباب مباشرة
الباب مغلق بقفل وسلسلة تعلن عن نفسها عند كل إغلاق
الباب الآخر مغلق،
أبواب الغرف موصدة
والدراجة الكبيرة سوف تجوب الآفاق في الصباح الباكر
يقودها رجل شبه سعيد
يخبط بقدميه فتسرع العجلتان
كمن يخوض في وحل بحذاء طويل
ويعقد اتفاقا مع الأبدية
في الصباح الباكر.
الأرض تحت قدميه
لا يقفز فرحا ولا يعبر برك المياه
حيث تنظر إليه الضفادع الصغيرة
يرعبه الهواء
ولا مفر من أن يتنفسه
ذلك الملعب الكبير حيث يقال إن الأرواح تطير هناك.
الأبدية كذلك لا أريدها، إنها ترعبني.
في الضحكات أولا، ضحكات كثيرة ثم انقلاب الوجه ساعة الوداع. لم يكن الحب إلا هذا: وجهك الباسم ينقلب. لحظة الأبدية في تلك الانتقالة غير المرئية، لحظة أراها وحدي وأنت تتأهبين لتقبيلي قبل أن تذهبي. في مرة أخرى ذهبت أنا واختفت الضحكات وانقلاب الوجه الباسم.
إنك تمشين كما يمشي الهواء على خدك وكما تنفجر النار في نارك وكما يتهادى الماء نقاط عرق أسفل ظهرك وكما يهب التراب خفيفا وملتصقا في جبهتك. هكذا التصقت أنا بك، وهكذا نظرتك الأولى التي صاحبتها انفراجة فم انغلقت سريعا.
لم يكن مهما الخروج إلى الشرفة لاكتشاف أن الحياة ميتة في الخارج، حتى بالأنفاس المتصاعدة من خلف الشبابيك المغلقة، لم يكن مهما أبدا رؤية ذلك أوتحسسه لاكتشاف أن الحياة قد ماتت في الشارع وفِي الحي وفِي المدينة وأنها، يا للعجب ستعود بعد لحظات. سيأتي يوم لن يعود فيه أي شيء وذلك هو اليوم الأعظم دون حاجة إلى الخروج إلى الشرفة، دون أية حاجة إلى بيت له شرفة.
اليوم عرفت كلمة دقيقة تصف قطعة نادرة في الحذاء، بحيلة واحدة فقط عثرت على الكلمة وأمضيت المساء هانئا. كلمة واحدة في لغة أجنبية لقطعة نادرة في حذاء هي كل ما احتاجته روحي في مساء جميل.