طعم الوصول | نرمين نزار: الغربة الخفية

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Vintage Map of Cairo. Source: 123rf.com

غربتي خفية. تكاد تكون سري الخاص. لا يعرف أحد الآن أني لم أكن أتحدث باللهجة المصرية حين وصلت إلى هنا في أسوأ توقيت ممكن. بداية المراهقة. كان ينبغي أن أغير لهجتي سريعا لتقليل الخسائر، فمراهقو مدرستي لم يتسامحوا مع اختلافي الطفيف. لم أكن خواجاية، فأصبح غريبة ومرغوبة، وفي ذات الوقت لم أكن من هنا تمامًا. أوراق ثبوتيتي لبنانية، ولكن إن سئلت، كنت أقول إني فلسطينية، فأربك من يسأل أكثر، والمراهق إذا ارتبك، يخرج ارتباكه عنفًا. نجحت مع الوقت في إخفاء هويتي تمامًا، لتصبح معلومة لا دليل عليها، فيصير نسيانها سهلًا.
بعد سنوات طويلة جدًا، ستأتي صديقة من لبنان لتزورني، فتشاهدني شريكة السكن أستعيد لهجتي القديمة مرة أخرى. سأضحك وأغني أغاني الطفولة، وأسخر مع زائرتي من برامج تليفزيون لبنان القديمة، ومن كوميديا إبراهيم مرعشلي وسخافة شوشو. ليلة كاملة من التذكر، بلهجة دُفنت، ولم تُنسَ. كنت سعيدة حقًا ومستغرقة، بينما شريكتي في السكن تخفي عني دموعها كي لا تفسد الجلسة. ستحكي لاحقًا أنها تألمت بشدة وهي تدرك للمرة الأولى أني غريبة هنا. تنتبه أخيرًا أنني خلال السهرات، وحين يدور الكلام عن ذكريات الطفولة، والأغاني، والبرامج، والدراسة، أسكت تمامًا وأبذل جهدًا ناجحا لكي لا يلاحظ صمتي أحد.
حين أحببت وتزوجت، انكشفت عليه. رأى أهل أبي، ورافقني في عودتي الأولى إلى بيروت بعد سنوات الحرب، وكاد ألا يعرفني حين سمعني أتكلم بلسان مختلف. بعد أكثر من عشر سنوات قال لي إنه لا يعرف ما أعني حين أقول “عندنا”.. لبنان؟ فلسطين؟ قبرص؟ وسط عائلة أمي مختلطة الهوية؟ إنها أشباحي التي لا يراها سوى من يقترب بشدة.
عندما رغبت في الكتابة، انتباتني غربة أخرى. غادرت عالمي وصفقت الباب خلفي بقوة. لم أكن قد رأيت أغلب أحياء القاهرة، حتى دخولي الجامعة. لم أتحدث مع أحد من خارج دائرة ضيقة تحدها كل رفاهية متاحة في ذلك الوقت. تركت هذا العالم ورائي وانطلقت أستكشف شوارع وأحياء القاهرة. قيل لي ذات يوم إني لم أدخل عالم الصحافة كي أصبح صحافية، ولكن لأجد مدخلًا يسمح لي أن ألتقي بالناس وأسمع حكاياتهم. في وظيفتي الأولى في إحدى الصحف، كان الصحافي الذي تولى مهمة تدريبي ريفيًا فظًا، يذكرني بشخصية شفيق نور الدين في فيلم زوجتي مدير عام، ويطلق سخريته الشرسة على جميع تفاصيلي. نوع الشاي الذي أفضله. سعر الساندويتش الذي أرسل في طلبه من محل بالقرب من منزل خالتي في الزمالك. وبالطبع حفلة الكريسماس التي نظمتها أمي، والتي دعوت إليها، علنًا، زميلي في المكتب الذي سُجن لاحقًا في قضية “تنظيم طلائع الفتح”.
ربما تكون حساسية مفرطة، ولكن ما استقر في ذهني هو أن الأمان من التنمر والسخرية والاستخفاف يستدعي محاولات الاختفاء؛ أن أصبح ورق الحائط كما يقول الأمريكيون. ولكني إن كتبت أظهر. عطلت كتابتي لسنوات، خوفًا من أن ما لدي لا يهم أحد. شعور رسخته كلمات عابرة لكتاب وفنانين من الأصدقاء تسخر ممن يظنون أنهم أثرياء، أو نتاج تربية أجنبية. أعلم الآن سذاجة الارتباك الذي أصابني، ولكني ساذجة على ما أظن إلى حد كبير.
أغلب ما قرأته لمغتربين كان إما مغرقًا في محلية البلاد التي تركوها، أو يسرد وقائع غربة صريحة في بلاد تُفقدهم القدرة على إنكار اختلافهم. لكني غريبة في كل البلاد التي أنتمي إليها. أدرك الآن أن هذا هو كنزي الذي أنكرته لسنوات طويلة، كل هذه الخصوصية التي رفضتها مقابل أن أصبح ورقة حائط آمنة.