آدم: ضرس

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

سبع عجائز يشربن الشاي ويقرضن الفصفص ويتفلنه نحو أبعد مسافة، لعبتهن المعتادة كل ليلة. صوت تشويش يأتي من راديو بعيد يبث أغنية بحرية لإحدى الفرق الشعبية المنقرضة. القمر نازل مضيء بقوة، يكاد يجلس معنا ويشرب الشاي. نجلس في المزرعة قرب البيت الطيني ذي الإضاءة الخافتة، الخارجة من الفوانيس المعلقة في كل مكان، نهيق حمار وأصوات أبقار في الحظيرة وحمحمة حصان في الإسطبل. أنا الذكر الوحيد، ابن أمي المستندة على الشجرة ورأسي في حضنها، بلغتُ الثالثة عشرة قبل عدة أيام. ذكرت إحدى العجائز المرتعشات حكايتي وهي تضحك مبديةً أسنانها المنخورة. تقول إنّها تتذكر أنّني – في الفترة التي راحت تحُكّني فيها لثتي وقد أوشكت أسناني على الخروج – عضضتُ ساق أمي، ثم عضضتُ مؤخرة الكلب الدمية وبكيت كثيرًا لأنه لم يتألم أو يهوهو مثل الكلاب في التلفاز.

Ian Ingramو Castle of the Tooth Fairy, 2017. Source: artsy.net

لم يبقَ شيء لم أبرد أسناني عليه. عندما وصلتُ السادسة بدأت أسناني اللبنية تتساقط، وقد قالوا إنه يجب علي كلما سقط سن، أن أرميه ناحية الشمس كي تعوّضني بأفضل منه، كان بعضنا يردد مع طقس الرمي تعويذات مثل:
“يا شمس خذي سن حمار وهبي لي سن غزال.”
رميتُ أسناني الساقطة كلها ناحية الشمس ولم يرجع منها شيء، كدتُ أُصدّق الخرافة لكن بعد أن خرج لي سن فأر بدل سن غزال، كذّبتها. كل الأضراس اللبنية سقطت باستثناء الضرس الأيمن في الفك السفلي، فقد بقي عالقًا، جربت أمي بعض وصفات الجدات الشيطانية لكنّها لم تجدِ، كنت أنام تلك الليالي لاهثًا متقلّبًا.
عندما جلس والداي في الصباح رأياني رابطًا خيط صنارة صيد على الضرس، وقد شددته بمقبض الباب بينما رحت أسحب نفسي إلى الخلف كي ينخلع، انقطع الخيط وتدحرجت حتى ارتطمت بقدمي أمي المنفجعة من رؤيتي على هذه الحال، اللثة تنزف والدموع والمخاط أيضًا، والضرس مال قليلًا لكنه لا يزال متماسكًا، صرخت أمي بأبي أن يذهبوا بي إلى طبيب الأسنان، ذهبنا وكانت العيادة فارغة، بقي بعض الوقت حتى يبدأ الطبيب العصبي المُدخّن عمله. بعد التنظيف ضرب إبرة التخدير في اللثة، كلما تجمّع اللُعاب بصقته في الكأس البلاستيكي أو شفطته الممرضة بالأنبوب -رأيتُ نفسي أفعى يُستخرج السم منها- حاولتُ أن أُغمض عيني كي لا أُفكر في الألم لكنّ ذلك لم يجد، فقد ازداد الألم، بدأت أعتصرُ يديّ وقدميّ وأتحرّك قليلًا، بينما حاول والداي تهدئتي، وقد راحت أنفاس الطبيب تنتشر مع رائحة عرقه، كنت أحدق في نظاراته، بينما كان هو يحدق في فمي بعصبية، أبرة تخدير أخرى والألم يخف قليلًا ثم يزداد، الزبد على حواف فمه يستفزني. بدأتُ أدخل وأخرج من الغيبوبة، بدأتُ أستمع إلى الشتائم التي خلت الطبيب يرددها بينه وبين نفسه لي ولعائلتي، يقول: ما الذي جاء بي عند هؤلاء الفلاحين، كنتُ أتمنى أن أفتح عيادة في الغرب قريبة من حلبة ملاكمة، الأموال ستنهال علي كل يوم!
نظرتُ إلى أبي لعله يستمع إلى ما يقوله الطبيب، لكنه كان ناكس الرأس، وقد قدرت أنه يقول في نفسه: يا له من ابن ضعيف جاء بالخطأ!
نظرتُ إلى أمي فرأيتها تبكي، تلوم نفسها لأنني وُلدت. ليتها لم تنجبني لأنّني أعذبها دائمًا بغبائي. الممرضة تشفط الأوساخ لكنها تقترب أكثر من اللازم، تعبر أنفي رائحة غريبة تخرج منها، تقشعر شعرات يدي. أسمعها تناجي حبيبتها البعيدة، و قد تكون ابنتها أو حبيبتها فعلًا أو جدّتها. يقول العصبي المتعرق: هل تذكر أيها الأب مباراة محمد علي وجو فريزر؟
تنبَّه أبي ليخرج من سرحانه متفاجئًا وقال: لا، لا أعرفها. أنا مشغول في المزرعة ومع الأولاد دائمًا.
يد الطبيب تتحرك بعصبية محاولة سحب الضرس بقوة، رقبتي تتشنج كلما حاولت رؤية عيني أمي.
بدأ الضرس يتفتّت قليلًا ويتمايل، انفجرتُ فيهم صارخًا، لم أعد أحتمل الألم، مع ارتفاع الأدرينالين تصببتُ عرقًا وامتلأت مثانتي بالبول. العصبي سحب عصبًا بعد أن حفر منتصف الضرس. تبولتُ بقوة، لم أستطع الاحتمال، توقف كل شيء من الصدمة بينما حدّقوا بي جميعًا في اندهاش.
شعرتُ بالخزي ثم بالغضب، قفزت واقفًا، نظرتُ نحوهم بحقد، الجميع متجمد وينظر نحوي. هربت. بقي القليل من الضرس عالقًا والدماء تنزل ببطء. رأيت نظارة سوداء على الطاولة في الخارج، بدا أنها لحارس الأمن، استمعت إلى غنائه قادمًا من الحمام، في الخارج بطيخة عملاقة منفجرة في السماء وعشر بطيخات على الأسفلت. ريح خفيفة تحرك أوساخ الشارع. راكبو السيارات بلهاء كالعادة. ذهبتُ إلى مزرعة جدي راكضًا، لم تكن بعيدة. توجهتُ مباشرة إلى إسطبل الخيول، انحنيتُ خلف الحصان الوحيد الذي لم يمت أو يبع، انحنيتُ عند حافره لعلّه يرفس وجهي، لكنه لم يفعل، لقد اكتفى بالتمايل فقط. ضربته فلم يفعل شيئًا، شتمته بأعلى صوتي وتفلتُ عليه، انبطح على الأرض يدور حول نفسه، يحك جلده ويثير التراب كأني لستُ موجودًا.
بكيتُ بحرقة، وقد بلغ صوتي عامل المزرعة الذي جاء مسرعًا يستفسر مني عن سبب الضجيج فأريته فمي، ومباشرة طلب مني إغماض عينيّ بينما وضع يده الخشنة العريضة على جبهتي وضغط بقوة، لم أشعر بشيء بعدها، شعرتُ في البداية بأني أسقط في الظلام ببطء، ثم شعرتُ بأني لستُ موجودًا.
فزعتُ بعدها وأنا أشهق بشدة بعدما سكب العامل دلو الماء فوقي، قال: أهلًا بعودتك. وابتسم، كانت قطعة الضرس المتبقية لا تزال في يده، سقاني ماءً وأسندني، نظرتُ إلى شقوق الجدران، إلى سرب النمل العابر بكسل وحيادية ودقة، كأنما لا يهمه ما يحدث في العالم، يعيش من أجل يومه فقط. نظرتُ إلى عنكبة ضخمة في الزاوية، تأكل زوجها ثم يأكلها أبناؤها، حدقت بتركيز مضاعف في مروحة السقف الخضراء وهي تتمايل بينما تدور وتقترب من الاحتكاك بالسقف دون أن تسقط أو تحتك. تدور ببطء أكثر من اللازم، لها أنين مكرر، ظللت هكذا حتى دختُ قليلًا ونمت.