محمد سعيد احجيوج: البحث عن إدمون عَمران المالح

Bruno Barbey, Tangiers, 1995. Source: magnumphotos.com

١- أفعى تلتهم ذيلها
ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية. يمكنك مثلا، كما يقول أوسكار ذو طبل الصفيح، أن تبدأ القصة من الوسط ثم تسير بها متقدما إلى الأمام أو تعود إلى الخلف لتخلق ما تشاء من حيرة وارتباك. يمكنك أن تكون حداثيا، أو بالأحرى ما بعد حداثي، وتلغي كل الإشارات إلى الزمان والمكان، ثم تعلن أنك قد حللت معضلة الزمكان. يمكنك أن تقول إنه ما عاد بالإمكان كتابة الرواية، فقد قيل كل ما يمكن أن يقال، ثم تُخرج، على غفلة، من قبعتك السحرية رواية سحرية ستكون آخر الروايات العظيمة ولن يأتي أحد بعدك بأفضل منها. ثمة طرق متعددة لقص هذه الحكاية التي يسودها الغموض ويدثرها الجنون وتموت فيها الأحلام. إحداها تبدأ كما تبدأ القصص البوليسية. التحري الخاص يتلقى مكالمة هاتفية، أو زيارة عمل، من عميل يأتي إليه بقضية مستعجلة. لكنني لست تحريا خاصا، أنا كاتب سلسلة من الروايات بطلها رجل تحر. كان م.س يعلم ذلك حين جاءني بقضيته. أخبرته وأعدت التأكيد بأنني كاتب ولست تحريا. “لكنك تكتب عن رجل تحر، ورواياتك البوليسية محكمة الحبكة،” قال لي وجفف العرق عن جبينه، ثم تنهد ورفع كتفيه. “أنت أقرب من يمكنني الحصول عليه من رجال التحري.”
شبكت أصابع يدي على الطاولة ونظرت إليه مليا. رفع كأس الشاي، الذي طلبه دون سكر، إلى شفتيه وأخذ رشفة. حركاته بطيئة ويده اليسرى ترتجف من وقت إلى آخر برعشة قصيرة. أعاد الكأس إلى الطاولة، وحدق بنظرات فارغة تجاه نافذة المقهى المطلة على الشارع. كان، لا شك، يفكر بعمق ويعيد ترتيب أفكاره. صارت التجاعيد الآن أوضح على وجهه، خاصة تحت عينيه. شعر رأسه الفضي يلمع أحيانا حين تسقط عليه أشعة الشمس المنعكسة عن أسطح السيارات. يبدو لي أنه في بدايات الستينات من عمره، ويبدو أنه متعب جدا. لم ألتق به من قبل، لكنه يبدو مألوفا بشكل غامض. عيناه مألوفتان جدا، كأنني أراهما يوميا. لم يخبرني اسمه. قال يمكنني أن أناديه م.س، وقال بأن هذا كل ما أحتاج إليه. تينكم الحرفان؛ الميم والسين، هما الحرفان الأولان من اسمي. أتراه يمازحني بالتلميح إلى أننا نحمل ذات الاسم؟ ربما هو لا يعلم أنني كنت أوقع بذلك الاختصار خلال بداية مسيرتي الأدبية.
“هل قرأت رواية متاهة الأوهام؟”
سألني بالفرنسية. احتجت إلى بضع ثوان لأترجم سؤاله في رأسي، كلمة كلمة، ثم أعيد تكوين الجملة بالعربية.
“لا،” حركت رأسي نافيا، وابتسمت. “لا أقرأ بالفرنسية. لا أعرف منها سوى كلمات متفرقة، أغلبها مما يشبه، ولو قليلا، مقابلها في الإنجليزية.”
“لا تقلق، ستتعلمها قريبا،” غمغم م.س وأخذ حقيبته الجلدية وأخرج منها كتابا صغير الحجم وضعه أمامي. “هل سمعت من قبل عن الكاتب عمران المالح؟”
“كلا،” حركت رأسي مجددا وعيني مصوبتين على غلاف الكتاب.” لم أسمع به من قبل.”
“لا،” تنهد. “طبعا لا،” احتضن م.س يسراه التي بدأت ترتعش وأطبق عليها بيده اليمنى وعاد للتحديق في زجاج النافذة. “لا يبدو أن أحدا سمع بهذا الكاتب.”
أمسكت بالكتاب وقلبته بين يدي. إنه رواية قصيرة. بالضبط هي رواية متاهة الأوهام التي سألني عنها. أعلى الغلاف مطبوع اسم المؤلف عمران المالح. بدا الكتاب كأنه جديد رغم أن صفحاته مصفرة بفعل عوامل الزمن. يبدو أنه كان قليل الاستخدام ولم تتداوله أياد كثيرة. فتحت صفحة البيانات ووجدت أنها الطبعة الأولى من الرواية وقد صدرت شهر أبريل من سنة ١٩٨٢، في باريس. ابتسمت؛ الكتاب يماثلني عمرا. الناشر أيضا لم أسمع به من قبل، ولست أدعي معرفتي بكل دور النشر الفرنسية. لعله ناشر صغير لم يستطع المنافسة أمام العمالقة الذين يحتكرون الأقلام والجوائز وواجهات المكتبات.
“أريدك أن تبحث عن الكاتب،” قال م.س بحزم وتصميم. “أريد أن أعرف كل شيء عن عمران المالح. من هو، مسار حياته، هل كتب روايات أخرى، وأين اختفى؟” عاد م.س يقلب في حقيبته وأخرج مغلفا كبير الحجم، “هذه ترجمة متاهة الأوهام. ترجمتها بنفسي وأضفت الكثير من الهوامش لتوضيح بعض الغموض والتعليق على بعض الأحداث والمواقف.”
“ما قصة الرواية؟”
ابتسم م.س ونظر إلى عيني مباشرة. ثم ابتسم مجددا وأشار إلى المغلف بين يدي، “اقرأ الفقرة الخامسة من الصفحة الرابعة والعشرين.”
فتحت المغلف وأخرجت الأوراق وتوجهت إلى الفقرة المطلوبة. “اقرأ،” قال م.س، “اقرأ بصوت مرتفع.”
” التلخيص، كما الترجمة، خيانة. كلاهما يقوم على التأويل. تجد في الرواية أحداثًا وأفكارًا قابلة لتأويلات متعدّدة، مختلفة أو متكاملة، أو حتى متناقضة. حين ترتكب جرم التلخيص فإنّك تضطرّ، بوعي أو من دونه، إلى انتقاء تأويل واحد فقط. هذه خيانة للنصّ. الروايات العظيمة لا يمكن تلخيصها. العظمة تأتي من تعدّد مستويات القراءة والتأويل. التلخيص يقتل ذلك.”
ابتسمت بدوري بعد أن قرأت. “يبدو أن هذا الكاتب لا ينقصه الغرور. يقول بطريقة مبطنة أن روايته عظيمة، و—”
“حُق له ذلك،” قاطعني م.س. “الرواية فعلا عظيمة. اقرأها. اقرأها الآن، ثم نكمل حديثنا. لن تأخذ منك أكثر من ساعة.”
طال تحديقي في حزمة الأوراق أمامي، وبدا التردد على وجهي. “ما أعرفه حتى الآن،” قال م.س وكأنه يريد تحفيزي أكثر ودفعي للقراءة، “عمران المالح مغربي يهودي. اسمه الكامل إدمون عَمران المالح. هاجر مبكرا إلى إسرائيل، لكنه خرج من حرب أكتوبر مصابا جسديا ونفسيا، أو ربما كان كذلك قبل الحرب، فغادر إسرائيل إلى فرنسا حيث استقر بضع سنوات وحقق نجاحا مهنيا جيدا. إلا أنه اختفى مباشرة بعد صدور روايته. لا أعرف ماذا حدث له لاحقا، إلا أن روايته، التي تبدو قريبا من سيرة ذاتية، مربكة. مربكة جدا. لست واثقا حقا أنها نشرت في التاريخ الموضح في صفحة البيانات. البطل في الرواية يختفي من فرنسا لسنوات ثم يظهر في مستشفى مجانين في المغرب. هل تنبأ عمران بمستقبله أم كتب الرواية لاحقا؟ لا أعرف. لن أستبعد حتى احتمال أن يكون شخص آخر، مقرب من عمران، عدل على مخطوط الرواية الأصلية وأضاف لها تلك النهاية قبل نشرها، أو إعادة نشرها.”
عاد م.س للتحديق في النافذة، وترك يمناه تنقر على الطاولة نقرات عصبية قصيرة متتالية. لم أشأ أن أقاطع خواطره التي يبدو أنها جرفته، وبدأت أقلب في الأوراق عشوائيا، حتى اختطف بصري، رغما عني، جلوس زوجين عند طاولة غير بعيدة عنا. المرأة طويلة القامة رشيقة القوام مرمرية العنق. شعرها حريري يسيل خلف ظهرها، وتقاسيم وجهها مرسومة بدقة لا يتدخل أي عضو فيه مكان الآخر. الشفتين شبه مكتنزتين، أعلاهما أنف مستقيم، أعلاه عينان نجلاءين، وبالموازاة معهما أذنين كأذني الإلف كما وصفها تولكين في رواياته. أما رفيقها فقصير، ويظهر قصيرا جدا بسبب شكله الكروي. سمين لا تعرف أين يبدأ عنقه وأين ينتهي. الأنف أفطس والعينان صغيرتان متقاربتان. أصلع الرأس خفيف الحاجبين. ما إن جلسا حتى شابكا يديهما على الطاولة، وطفقا يتبادلان حديثا هامسا لم ألتقط منه سوى مقاطع صوتية أحسبها من التركية أو الهولندية. بدا الهيام واضحا على وجهيهما ويتدفق من عينيهما نهرا رقراقا. لم أستطع منع نفسي من التساؤل عما رأته هذه المرأة في رجلها وأي سحر فيه جذبها إليه. ضبطت نفسي أرفع كتفي وأغمغم، “إنه الحب على ما يبدو. الحب أعمى، كما يقولون.”
“الرواية،” قال م.س بعد أن خرج من شروده واستدار إليّ. زم شفتيه وقطب حاجبيه ومالت حدقتاه إلى الأعلى في تجاه اليسار. “ليست رواية بقدر ما هي ورشة كتابة يُدخل بها الكاتب القارئ عنوة إلى عالم الكتابة. يقفز الكاتب، بوعي مقصود حتما، من موضوع إلى آخر، من حكاية إلى أخرى، ليعرض على القارئ لمحات موجزة من عوالم مختلفة. قد يتوقع القارئ من الكاتب أن يتوسع في تلكم الحكايات الفرعية، التي تمثل كل منها مشروع رواية قائمة بذاتها، ليكسو عظمها بلحم التفاصيل المدهشة. لكن تلك ليست نية الكاتب. هدفه هنا ألا يبقى القارئ حبيس التلقي السلبي، بل يريده أن يشارك في الكتابة نفسها. يقدم الكاتب للقارئ خطوطا عريضة ورؤوس أقلام لحكايات مختلفة، ويقول له: تفضل. إنه دورك. تخيل باقي التفاصيل ومتع نفسك. أنت أهل لذلك. أنت لا تحتاج مني لأن أكتب كل شيء. أنت قادر على ذلك بنفسك.”
تنهد م.س وشرب نصف كأس الماء أمامه. جفف العرق الذي عاد ينضح من جبينه، وتابع مرافعته التي يريد بها تحفيزي لقراءة الرواية.
“لا توجد هنا ثغرات تفسد على القارئ متعة تلكم الحكايات، قدر ما تجد مسارات محتملة لتطور الحكايات اختار الكاتب ألا يطرقها وتركها أرضا بكرا ليخوض القارئ غمارها بنفسه. يثق الكاتب في القارئ، رغم أنه في مرحلة ما اختار أن يلبس عباءة الناقد وضمّن في ثنايا الرواية تلميحات نقدية، ربما ليوضح سر اختياراته للقارئ، أو ربما ليشبع غروره بكتابة نقدية يشتهيها، ويعرف يقينا أنه لن يحصل عليها من نقاد الكتابات تحت الطلب الذين يملؤون صفحات الجرائد والمجلات وكراسي لجان تحكيم الجوائز الأدبية.”
شبك م.س أصابع يديه هرما على الطاولة، وابتسم وهو يومئ برأسه.
“باختصار، هذه ليست رواية قدر ما هي مجموعة من الروايات المتداخلة مع بعض. إنها، كما يقول عنوانها بصراحة متاهة يختلط فيها الواقع بالخيال، والحقيقة بالأوهام، وهي برزخ تتشابك فيه الحكايات. متاهة سيحتاج معها القارئ إلى خيط أريادني ليجد طريقه إلى الخروج بعد أن يقضي على المينوتور. هي حكايات مختلفة لكنها في مجموعها حكاية واحدة عن الخير والشر، عن الشر الذي يسكننا، في داخلنا، ويدثر عالمنا من خارجنا. يريد الكاتب أن يدخل القارئ إلى متاهة نفسه، ليقتل الوحش الكامن في أعماقنا، في أعماق المتاهة، ثم يخرج كأنه ولد من جديد.”
“حسنا،” قلت وقلبت الأوراق عائدا إلى الصفحة الأولى. ليس ثمة ما يشغلني الآن، وفي كل الأحوال الحصة الصباحية أخصصها دائما للقراءة حين لا أكون متفرغا للكتابة. أرسلت أمس إلى الناشر روايتي كافكا في طنجة، وهي الأولى خارج السلسلة البوليسية، بعد أن أتممت تنقيحها، وكنت أهم هذا الصباح بالعودة إلى القراءة وقراءة رواية جديدة حين جاء م.س وتوجه نحوي مباشرة حين دخل المقهى، كأنه يعرفني جيدا ويعرف مواعيدي.
عاد م.س يسرح في أفكاره المنعكسة على زجاج النافذة، وتركت نفسي للغوص عميقا في متاهة الأوهام.
٢- طواحين دون كيخوت
[أ] مطار شارل ديغول. لم أكن أحلم يوما بزيارة فرنسا، بالأحرى لم أكن يوما مهتما بزيارة المستعمر العسكري السابق للمغرب، ومستعمره الاقتصادي والثقافي حاليا. كان عمران المالح، ككل المغاربة  اليهود الميسورين أو من درس في مدارس فرنسا ومدارس الأليانس، يعتبر فرنسا مهد الحضارة وعاصمتها مدينة الأنوار والثقافة والحريات. ربما كان ذلك صحيحا يوما ما. كان. أما الآن فلا تعدو أن تكون فرنسا سوى دولة استعمارية تمارس تنمرها على مستعمراتها السابقة. لا وزن ثقافي لها حاليا ولغتها الفرنسية تموت حتى داخل حدودها. لكنها عقدة الأجنبي، أو لعلها المصلحة الشخصية، لا غير، تدفعهم لبيع أوطانهم للمستعمر السابق ليرضى عنهم ببعض الفتات وييسر لهم الخلود في مناصبهم.
أبتسم إذ تتدفق هذه الخواطر في نهر وعيي. أفكر بأني لو قرأت مثل هذا الكلام مكتوبا لوجدته ركيكا مباشرا تقريريا، كأنه موعظة دينية يلقيها خطيب جمعة يدس رأسه للقراءة من الورقة أمامه دون أن يرفع عينيه إلى المستمعين الذين بدأ بعضهم بالشخير والبعض الآخر يلعب في أنفه، وثمة واحد في الركن يلعب بشيء ما بين فخذه، والقلة الباقية تحصي حبيبات الغبار المتناثرة على سجادة الصلاة.
حين خط عمران خطواته الأولى هنا على أرضية شارل ديغول كان المطار حديثا لم تمض على افتتاحه سوى أشهر. الآن للمطار أزيد من أربعين عاما، وما زال يبدو جديدا. على الأقل هذه نقطة تحسب لفرنسا.
فضلت الجلوس أولا في مقهى صالة الوصول وأخرجت مفكرتي لترتيب أفكاري ومراجعة خطة بحثي.
[ب] حين أكملت قراءة رواية عمران رفعت رأسي إلى م.س فوجدته يحدق في وجهي وعلى شفتيه ابتسامة متعاطفة. شعرت بنفسي ألهث كأني خرجت من سباق طويل.
رفعت حاجبي واستندت بظهري إلى المقعد.
مدهش.
تلك هي الكلمة الوحيدة التي نطقت بها وصمت عن الكلام.
[ج] رتبت أموري وبعد يومين ذهبت إلى العنوان الذي مدني به م.س. لم يكن العثور عليه سهلا. لم أستطع يوما حفظ المسالك الضيقة المتشابكة لأحياء المدينة القديمة. فتح لي الباب شاب قصير بدأ يفقد شعر رأسه. ملامحه أسيوية. على الأرجح هندي ولو أن الاسم يقول إنه باكستاني. سألته إن كان هو محسن حميد، فأومأ برأسه. أعطيته البطاقة، كما قال م.س تماما. أمسك بها وقلبها بين أصابعه وابتسم. نظر إليّ وسأل، “م.س؟” أومأت له بدوري، فأشار لي بالدخول. تبعته إلى الطابق الثاني من البيت، وكدت أتعثر أكثر من مرة وأنا أحاول اقتناص عناوين بعض الكتب من المئات التي تغطي كل حيطان الطابق الأرضي وجدار السلم. توقفنا أمام الحمام الموارب بابه. أمسك محسن حميد المقبض وأقفل الباب. تنهد. نظر إلي وابتسم. “مستعد؟” قال. لم أفهم مغزى السؤال لكني أومأت برأسي. أمسك مقبض الباب من جديد ودفع الباب. لا شيء خلف الباب إلا ظلام دامس. اختفى الحمام. أشار إليّ أن أتقدم. “رحلة موفقة،” قال. دفعت قدمي مسكونا بارتباك لم يغادرني منذ جاءني م.س بعرضه الغريب. لفني الظلام وسمعت الباب يغلق من خلفي. تقدمت مغمض العينيين حتى لا أرى الظلام الثقيل. بعد ثلاث خطوات اصطدمت بحاجز خشبي. تحسسته بحثا عن المقبض. دفعت الباب ووجدتني خارجا من حمام الرجال في مطار شارل ديغول.
[د] لو كانت حكايتي رواية كلاسيكية، أو حتى حداثية، لوجدتني دون وعي ألتزم بمسار رحلة البطل. البطل ذي الألف وجه.
استطاع جوزيف كامبل من خلال تحليله لمئات الأساطير والحكايات الفولكلورية والقصص من مختلف الثقافات أن يصل إلى استنتاج أن كل الحكايات، في كل الثقافات وفي كل الأزمان، رغم أنها تختلف في بعض تفاصيلها الشكلية إلا أنها في العمق تحكي قصة واحدة. حكاية واحدة تحكى مرة تلو المرة (…)
[ه] لكن بما أن هذه رواية ما بعد حداثية، فإن كاتبها لن يهتم برحلة البطل، أو على الأقل لن يهتم بترتيب خطوات الرحلة.
أعرف منذ البداية أنني موافق على عرض م.س. لن أحتاج للتمنع وانتظار حافز خارجي يدفعني للقبول. لن أخبر م.س بموافقتي بعد، وسنذهب رأسا إلى نقطة المغريات التي ستخرجني من مسار الرحلة. هي ضحكة رقيقة، كمياه نهر رقراق، جاءت من الطاولة المجاورة. التفتتُ مجددا إلى العاشقين الولهين؛ القد المياس للمرأة وأكوام الشحم المكدسة على كامل جسد رجلها القصير الكروي.
إنها فاتنة، وطبيعي أن تخطف بصري، أكرر: رغما عني، وتخطف أنفاسي. م.س يحدق مجددا في النافذة ويسرح في أفكاره كأنه يملك كل الوقت، رغم أنه بدا مستعجلا في البداية. أعود أنا إلى الوجه الحسن وأتيه طويلا في ابتسامتها المشرقة. أحاول تخيلها أمامي، على طاولتي، وكفي فوق كفها. بدأت التخطيط لقتل كتلة الشحم التي تحب وغبت في أحلام يقظتي.
قامت الفاتنة واقفة واستيقظت من غفوتي. يبدو أنها ذاهبة إلى الحمام. انتصبت واقفا واستأذنت م.س، الذي ما زال غائبا في شروده ولم ينتبه لي. تجاوزت الباب المشترك للحمامات ودلفت يسارا تجاه حمام النساء، ودلفتُ يمينا تجاه حمام الرجال. بقيت أمام المرآة لا أنظر إلى وجهي الذي لا ينظر إليّ وتركت أذني تصيخان السمع انتظارا لصوت الباب يفتح من حمام النساء.
لم أسمع صوتا إلا بعد أن شعرت بالفوهة الباردة تلتصق بعنقي وبصدرها يلتصق بظهري ويدها تمسك بإبزيم حزامي.
“هل تتبعني؟”
قالت ولم أحر جوابا. أين هي اللغة حين نحتاجها؟ انمحت كل الكلمات من لغتي.
هذه المرأة طويلة أكثر مما اعتقدت أول وهلة.
أبعدت فوهة المسدس، وبسرعة دفعتني إلى الجدار وألصقت الفوهة هذه المرة على صدري، مباشرة على قلبي.
“لمصلحتك أرفض. لا تقبل المهمة. لا تبحث عن عمران المالح.” قالت جملتها بصرامة وهي تضغط على أسنانها وبدت قسمات وجهها حادة متجهمة. ثم ابتسمت.
لا يسعني إلا الذوبان في ابتسامتها تلك.
أعادت المسدس إلى حقيبتها. عادت خطوة إلى الخلف واستدارت قليلا لتواجه المرآة. عدلت تنورتها القصيرة التي انسحبت إلى ما فوق فخذيها، وعدلت خصلات من شعرها تمردت على انسيابها وتجرأت وغطت أذنيها. ثم خرجت.
إنه خطئي، كان الأفضل أن ألتزم بمسار رحلة البطل دون أي تلاعبات زمنية.
[و] عدت وجلست.
“ما بال وجهك شاحب أصفر؟” نظر إليّ م.س وقطب حاجبيه.
“لا أظنني أصلح للمهمة التي تريد،” قلت ولم أتمالك نفسي من حدة الانفعال. “حتى لو… سلمنا بأنني لن أحتاج للسفر إلى إسرائيل… الخطوة الأولى ستكون البحث في فرنسا، ولابد… أن البداية من عند الناشر. إجراءات التأشيرة… ستتطلب الكثير من الوقت، ولن أكون صالحا لأني لا أجيد الفرنسية.”
بقي م.س صامتا هادئا حتى أنهيت كلامي المتقطع. حين انتهيت أخذ حقيبته مجددا وأخرج منها كبسولة دواء وضعها أمامه، وجواز سفر وضعه أمامي. أشار إليّ مبتسما أن أتصفح الجواز. هو جواز سفر فرنسي. فتحته فوجدت صورتي مطبوعة داخله ووجدت الاسم “عيسى العبدي”.
“هل تريدني أن أدخل فرنسا بجواز سفر مزور؟” صرخت ورميت الجواز على الطاولة كأنه يحمل بذرة الطاعون.
ابتسم م.س مرة أخرى، “ليس مزورا. إنه أصلي. ليس عليك أن تقلق من هذه الجزئية.”
قلبت الجواز بين يدي ودققت فيه أكثر. لا خبرة لدي لكن يبدو لي أنه، لو كان مزورا، فهو مزور بدقة ليهزم بسهولة الفحص اليدوي.
“ثم،” قال بحزم، “لن تحتاج لجواز السفر. إنه للطوارئ فقط—” قاطعته، “ماذا تقصد؟” لكنه لم يجب على سؤالي. “أما بخصوص اللغة. خذ هذه.” وقدم لي كبسولة الدواء.
نظرت إليها مليا وتركت الحيرة ترسم نفسها على وجهي.
“ليست سما.”
لست متهورا، لكني أثق به ولا أعرف لماذا. أخذت الكبسولة وأتبعتها بكأس ماء.
انتظرت ثوان ورفعت كتفي، “والآن ماذا؟”
رده الوحيد على سؤالي كان ابتسامة واسعة، ثم أخرج من جيبه بطاقة صغيرة ودفعها إليّ. “اذهب إلى العنوان على ظهر البطاقة. اسأل عن محسن حميد. اعطيه البطاقة وسيعرف ما المطلوب.”
أخذت البطاقة. ملمسها غريب يجمع بين الليونة والخشونة. تعذر عليّ التحقق مما إذا كانت مصنوعة من البلاستيك، أم من المعدن.
ما تزال الابتسامة الواسعة مرتسمة على وجهه. شعرت بشيء غريب. ثمة شيء غير طبيعي. بالتأكيد. قطبت حاجبي مفكرا محاولا الإمساك بفكرة شاحبة في رأسي لم تشأ أن تعرض نفسها بسهولة.
لحظة. نعم البطاقة غريبة، لكن الكلام الذي قاله م.س كان أغرب. لا، ليس غريبا. بل كان بلغة غير العربية. مستحيل. جملته الأخيرة كانت بالفرنسية. لكني فهمته تماما دون مشقة ولم أنتبه أنه تحدث بغير العربية.
“استوعبت الأمر الآن؟”
“أي سحر هذا؟” تدفق السؤال بالفرنسية من فمي بانسيابية مدهشة.
“لا سحر في الأمر. إنه العلم فقط،” قال م.س وعاد لجديته، “هل أنت موافق الآن على المهمة؟”
أومأت بالإيجاب، وأنا بالكاد ألتقط أنفاسي.
“أتمنى لك حظا موفقا.” قال ونهض واقفا. دفع إليّ بطاقة بنكية، “هذه لتغطية كل ما تحتاجه من نفقات.” ثم أخذ حقيبته وتوجه نحو الباب.
التفت إلى الطاولة المجاورة. نظرت إلى المرأة التي كانت منغمسة في حوار رومانسي مع حبيبها. يبدو أنها شعرت بي، رفعت رأسها إليّ وغمزت بعينيها.
٣- العود الأبدي
بدأت أستعيد أنفاسي أخيرا، فنضحت وجهي مجددا بالماء ثم رفعت بصري إلى المرآة وقبضتي تمسكان بقوة بحافة الحوض. بدا الانهاك واضحا على وجهي. الشعر مشعث واللحية نامية والجفنان مثقلان والعينان ناعستان. العينان… يا إلهي. صدمني الخاطر كقطار سريع فانتفضت في مكاني وخرجت من الحمام جاريا وأخرجت الكمبيوتر من حقيبتي. شغلته بسرعة وبحثت مرتبكا عن خدمة ويب مجانية لتطبيق خوارزميات الذكاء الصناعي للتقدم في العمر. وجدت واحدة. رفعت صورتي، وانتظرت لثلاث دقائق بدت كأنها الدهر، قضيتها متنقلا بين الجلوس والنهوض وذرع الغرفة ذهابا وعودة. اكتمل أخيرا تحميل الصفحة وبدأت الصورة بالظهور. على اليسار صورتي التي رفعتها، وعلى اليمين الصورة الناتجة عن تطبيق خوارزميات التقدم في العمر. الصورة كانت تشبهه. تشبه م.س تماما. أسفل الصورة عبارة “هكذا نتوقع أن تبدو صورتك بعد ثلاثين عاما من الآن.”
ماذا يعني هذا؟
ارتميت على الفراش واستلقيت على ظهري.
ثمة تفسير واحد لا غير، لكنه يبدو مستحيلا. السفر عبر الزمن مجرد تيمة قصصية وحلم علماء يعرفون قبل غيرهم استحالة تحقيقه. لكنه يبدو تفسيرا مقبولا جدا رغم كل شيء. ثمة جواز السفر المزور، بتقنيات متقدمة، كأنه أصلي. ثمة حبة الدواء السحرية لزرع اللغة الفرنسية في خلايا دماغي خلال لحظات وجيزة. و… لا، لا يمكن.
لو سمحت لنفسي بحرية التفكير بقدوم م.س من المستقبل فسيسهل عليّ أيضا القبول بافتراض أنه قادم من بعد آخر أو كون مواز. كل شيء سيكون محتملا في هذه الحالة، حتى افتراض أنه شخصية روائية خرجت من عالم الحكايات إلى عالمي الواقعي. لا، هذا غير ممكن. لو فتحت الباب أمام هذا الاحتمال سأصاب بالجنون، ولن يختلف مصيري عن مصير عمران المالح.
أخرجتني من خواطري المتدفقة دقات عنيفة ومتلاحقة على الباب. “إدمون، افتح. بسرعة، إنهم ورائي.” إنه صوت صوفيا.
قمت بسرعة أفتح لها، وما إن دخلت حتى أغلقت الباب بسلسلة الأمان وجرّت طاولة المكتب لتسندها على الباب لتقطع الطريق، فيما يبدو، على من يلحق بها.
قالت، بين لهاثها، كلمات متقطعة لم أفهم منها سوى أنني في خطر، أنهم كشفوا أمري، وسيصلون هنا قريبا جدا. عليّ أن أهرب قبل أن يصير الفناء مصيري.
وضعت يدي على كتفي صوفيا أحاول تهدئتها. قالت لا وقت لدينا وأخرجت من جيب سري في سترتها حبتي دواء. ابتلعت كبسولة ودست الثانية في فمي وطلبت أن أبلع. مستحيل طبعا أن أبلع دون ماء. ملأت كأسا كبيرا من الماء وتجرعته دفعة واحدة لخداع حلقي بقبول كبسولة الدواء.
أمسكت صوفيا بيدي، وتلفظت بكلمة “فرلات”. شعرت عندها بأني أنسحق، واختفت الموجودات من أمامي. شعرت بنفسي أطير وبالموجودات تجري بسرعة إلى الوراء. اختلطت الألوان والأشكال وتحول كل شيء إلى لون أبيض شاحب، ثم فتحت عيني ووجدت نفسي، رفقة صوفيا، في الشارع. شارع هادئ تحيط الفيلات بجانبيه. لم أتمالك نفسي وتقيأت.
سمعنا صوت فرقعة في الهواء أتبعها تجسد تدريجي لثلاث رجال بملابس سوداء وفي أيديهم مسدسات غريبة الشكل.
دفعتني صوفيا وصرخت فيّ أن أهرب. جريت بضعة أمتار ثم انتبهت أنها لم تلحق بي. استدرت فرأيت شعاع ضوء يخرج من أحد المسدسات ورأيت جسد صوفيا يتلاشى.
أكملت جريي وانعطفت إلى اليسار. صوت أحذية المطاردين الثلاث يسمع بدوي مرتفع في هذا الشارع الهادئ. لن أستطيع الهرب منهم جريا. نظرت حوالي فوجدت سور الفيلا على يساري منخفضا بما يكفي لأتسلقه، ففعلت واختفيت خلف أشجار الزيتون في حديقتها. كمنت هناك وتابعت ببصري الرجال الثلاث يجرون إلى نهاية الشارع بحثا عني.
“صديقي، ماذا تفعل هنا؟”
التفتُ لأجد الممرض محمود يقترب مني ويضع يده على كتفي. استقمت واقفا. رفعت كتفي ومططت شفتي، “لا شيء.”
نظر محمود إلى صدري وزم شفتيه، “هل تقيأت مجددا على نفسك؟” قال وسحبني من يدي المتجعدة ذات الجلد المترهل والعروق النافرة، “هيا بنا إلى الداخل، الجو بارد هنا.” تبعته مستسلما أعرج حتى أوصلني إلى غرفتي، وما إن رأيت كومة الأوراق حتى قفزت بلهفة إلى المكتب وأمسكت بالقلم وعدت لأكمل الكتابة.