أمنية منصور: والدنيا هس هس

Mohamed Nassef, Cairo, March 2019. Courtesy of the artist.

من أجل أن نلتقي في المدينة التي لا تنام. هذه القاهرة. لا تنعس حتى، أو تغمض جفنيها. عيناها على اتساعهما كل لحظة، ترصد الأفق وكأنه مبسوط فلا يحجب رؤيتها لا زحمة ولا تراص أبنية ولا فضاء. في كل الاتجاهات تُلاحق ببصرها أناسًا جالسين وقططًا حائمة. لا تغفل عن شيء. يقظتها فاتكة تعضّ ما تراه، تهشّمه أسنانها حتى تبتلعه. ظننا أن الملاذ من مراقبة القاهرة في حَوارٍ ضيقة ودهاليزَ مظلمة ولكن كيف وحتى ما يحدث في الغرف المغلقة لا يخص أصحابها بل يداوي مقلتيها الحمراوين. لا ينقطع دأبهما قط.


في ونس صديقة لي أتمشى الدقي. نستفيق من سَطْلَة جميلة أعطتها لنا حديقة الأورمان حيث شممنا أزهارًا ورأينا خضرة صافية. ثم ما إن ضربت أقدامنا الشارع حتى صفعتنا القاهرة بقبحها. تفصلنا عن رأس السنة أيام. وقفت أمام محل هدايا وفي مواجهتي عروسة لبابا نويل تتراقص وتغني Jingle bells. انفلتت مني ضحكة عالية أوقفت صديقتي. كانت العروسة متلحفة “بإسدال” للصلاة، وتحمل في صدرها دمية رضيع، فبدت رقصتها كهدهدة لطفلها. بحثت عن هاتفي لأصور المشهد وأنا مشفقة على المحرومين من العشوائية والمفاجآت. مشغولون بحقوق الكويريين والفواصل المحددة للنوع ومبادئ التعايش والتسامح بينما أنا أقف أمام عروسة قديس مسيحي ذكر يرتدي حجابًا ويهشتك طفلة. أي مدينة تقدر على ذلك؟ حين نظرت إلى صديقتي مرة أخرى تذكرت أني على موعد معه. هل أشتري له هدية؟ أم أنني أنا هديته؟

في الضاهر يجلس قصر السكاكيني في ثقل رجل أشيب يعرف أن الحياة كلها مسماة باسمه. ميدان السكاكيني. وحوله القصر تلتف البيوت كأنما لتنصت إلى نوادرَ يحكيها، في إنصاتها عطف مَن يتسمّع في صوت الراوي الموت الوشيك. بأنفاسها الهادئة زفرت البيوت ريحًا باردة تلفح المارة عند مداخلها. كانت تحمل روائح سكانها وطبخة يومهم… طفنا بحذاء سور القصر كحجاج فوجدنانا صغاراً في حضوره. وساعتها أدركنا أن شيخوخته خادعة. هو لن يزول. إننا نحن العجائز.

دوى رنين خَرّب آذاننا، وفُتحت أبواب المترو. دخلنا نحمل كيس حرنكش اشتريناه من سيدة تجلس على مدخل محطة العتبة، وجلسنا نقزقزه بعد أن هبطنا وطلعنا عناقيد من السلالم لنصل إلى الرصيف. في العربة صمت طفيف يسمح بفتح كلام. لم نكن صديقين. فقط جمعتنا وجهتنا فبدت فرصة تعارف. تحركت العربة فأسكتَنا عجيج الراكبين وكأن زئير انطلاق المترو إيذان بالصياح. لكننا اعتدنا الضجة فباشرنا الكلام. اخترت أن أفضي بأخص ما أشعر به لحظتها، فحدثته عن أبي. لم أحس بالغصة التي تلازمني عند هذا الحديث. ربما ساعدني الحرنكش على تخطيها. ظل يومئ برأسه. هل سمعني؟ لا أدري. لكنني أعرف أنه لولا كل هذه الأصوات حولنا ما كان قد طلع لي صوت.

أُعجبتني الطريقة التي يتمشى بها. يمد طوله واثقًا يقطع الطريق بخطوات سريعة تهزه على عكس خطواتي البطيئة الهادئة وكأنني أخاف تهييج الهواء من حولي. وسط البلد. وفي أحضان ميداني طلعت حرب ومحمد نجيب قررنا التوقف لتفاوت سرعتنا في المشي. ثم لم يمر وقت منذ اتكأنا على ظهر سيارة في شارع صبري أبو علم نتأمل مسجد الرحمة بعمارته المميزة في سكون حتى فزِعنا على الصوت: “يا رب تتجوزها”. كان ولد في السادسة أو أقل يحمل باقات زهور. “دي خطيبتك؟” وابتسمت لرده بالإيجاب. لسنا حتى في علاقة. “يا رب تدخلوا الجنة. وحياة النبي تراضوني وتشتروا مني”. سكتنا. “مش هتصلوا على النبي؟” أجابه: “يا ابني احنا مسيحيين”. انهرت في الضحك حتى دمعت عيناي، وعندما أفقت كان الولد قد تبخر. مسحت دموعي وارتميت في حضنه ودقات قلبي أسرع من خطوة مشيته.

أسكنتنا القاهرة تحت أعينها، قررت أن تضعنا تحت المجهر وتركت كل مشاغلها لتراقبنا. أنا راقبته. كان يراقب الطريق. قاد السيارة في دوائر حول جزيرة الزمالك. على يميننا صفحة النيل، وعلى يسارنا الأمل في مكان نختلي فيه. كل مساحة فارغة سراب ظمآن. كلما اقتربنا بعدت الفرصة، وربحت الرقيبة نقطة في اللعبة. أوجدتْ إطار عجلةٍ هنا أو موقف سيارات على مدخله حاجز هناك. وكل بضعة أمتار سايس يدخن أو كرسي مختبئ بين سيارتين. التفتَ لي بيد واحدة على المقود: “وبعدين؟” قلت: “نروّح؟” لا إجابة. من يعلم، ربما تغفل المدينة أو حتى تتغافل. مع اكتمال كل دورة كانت الرغبة تنطفئ ونحن عالقان بدوامة. لكن عندما استسلمنا لفكرة أننا خسرنا اللعبة وجدته يمسك بيدي مثل طفل كله طاقة وأشار. هناك مساحة تكفي سيارتنا في شارع مظلم. تنهدنا سويًا. أدرت زر الراديو ونظرت في عينيه السوداوين فانبعث صوت ينشد: “الجو هادي خالص، والدنيا هس هس. وأنا وأنت يا حبيبي، ونجوم الليل وبس”. فجأة هدأت الدنيا من حولنا تماماً وكأننا فعلاً وراء باب. أغلقنا الشبابيك. من أجل أن نلتقي.