نذير عبد الله: عيادة الأدب الرديء

Nan Goldin, Guido on the Dock, Venice. Source: christies.com

(١)
حالما أنهيتُ تلخيص حياتي في الفترة الأخيرة له، سَلّمَ أنّني، في الواقع، بحاجة حقيقيّة إلى برنامج علاجي، ثمّ سألني إذا ما راودتني أفكارٌ انتحاريّة. لا، أجبت، الموت لا يثير اهتمامي1 – ميشيل ويلبيك – Seretonin

(١) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ 
لم أبكِ حين رأيتُ جسدها يتدلّى من السّقف، لم أجزع، لم تصبني نوبة هلع. كنتُ هادئًا تمامًا، انتظمت ضربات قلبي، وحين نظرتُ في مرآة الخزانة عن يميني بدا أنّ ابتسامة ترتسم ببطء على شفتيّ. جلستُ على السّرير، وأخذتُ أفكّر في حفلة بيلي آيلِش التي شاهدناها سويّة في هلسنكي العام الفائت، حيث كانت تلبس بيجامة خضراء مخطّطة برسومات لم أتبيّنها من موقعنا البعيد.  قرابة منتصف الحفلة غنت “ادفن صديقًا”، وأخذت تقفز يمنة ويسرة بخفّة طفلة غفل أهلها عنها. حين نبت صوتها وسط جموع المردّدين “ماذا تريد منّي؟ لماذا لا تهرب منّي؟” شعرتُ بحاجة إلى سيجارة، فنظرتُ إلى سارة التي انحسر حجابها عن مقدّمة رأسها قليلًا بفعلِ تحريك اليدين المستمرّ إلى أعلى وإلى الوراء، اقتربتُ كثيرًا منها كي تسمعني:
– سارة، بدّي أطلع أدخّن سيجارة
– ما تروح، خلّيك
– بس…
– ما في تروح.
أمسكت ذراعي اليمين وشدّتني إليها، وضعت يديها أعلى حوضي، وقفت على رؤوس أصابعها وقبّلتني “هاي بدل السيجارة”، ثمّ أعادت تثبيت حجابها.
الفشل في الفيزياء
أنهيتُ التوجيهي عام ٢٠٠٥ بمعدّل ٩٣,٦ – الفرع العلمي. قضيتُ سبع سنواتٍ ونصف متنقلا بين جامعتين، سلسلة من الخيارات الخاطئة بدأت باختياري الهندسة الكهربائيّة رغم فشلي في الفيزياء، لكنّه كان خيارًا يلخّص الجموح والسّذاجة اللذين شكّلا سنوات حياتي الثّماني عشرة السابقة. كنّا ممتلئين بالسّعادة، دون أن نعرف أنّ تلك سعادة مقرونة ببراءة على وشك المغيب: لقد كانت سنواتٍ جميلةً. قضيتُ ثلاث سنواتٍ ونصف أدرس الهندسة الكهربائية، لم أتمكّن خلالها من تجاوز مادّتي الدّوائر الكهربائيّة 2 والمجال الكهرومغناطيسي 1، أنهيتها بأن حوّلتُ تخصّصي إلى علم الحاسوب.
لكن هذا اختزالٌ معيب، أخذت مسيرتي الدّراسية منحنيين، الأوّل مثل انطلاقة يوسين بولت في سباق المئة متر، خطٌّ مستقيم نحو القمّة، لكنّه كما مسافة المئة متر بالغ القصر، استمرّت تلك الفترة عامًا ونصف، كان معدّلي فيها ٨٣٪. حين أستعيد الأحداث الآن، أفكّر أنّها كانت بداية جيّدة لنهاية حزينة. يقول هيتشكوك إنّه من الأفضل أن تبدأ بكليشيه على أن تنتهي به، وحتّى الآن ما انفككت أطرح السّؤال على نفسي: أين بدأت حياتي تأخذ شكل الكليشيه؟

ما أنا بشاعر
تبدأ الحياة بالتّدهور لسببين: إمّا الصّداقة أو الحب. تعرّفتُ على صديقي يحيى وزوجتي المستقبليّة سارة، في ذات المكان. منذ بدأت التخصّص الجديد، لم أنشئ أيّة علاقة تتجاوز السّلام العابر، وأخذت علاقاتي المدرسيّة بالانقطاع رويدًا رويدًا حتّى لم أعد أسمع شيئًا عن أصدقاء المدرسة. لكن قبل المجيء على سيرة يحيى وسارة، عليّ أن أحاول البدء من جديد (بكليشيه جديد ربّما؟). أحبّ التّفكير أنّه كان بإمكاني إتمام دراسة الهندسة لو أنّني تخلّيتُ سريعًا عن عادة جديدة: القراءة. بدأتُ قراءة الرّوايات في التّوجيهي، أذكر منها الآن: موسم الهجرة للشّمال، وقصّة مدينتين. كنت مذهولًا من قدرة الكلمات على جلب العمارة إلى داخل الصّفحات، على هدم العالم وإعادة تشييده في جملة، وحتّى اللحظة أحبّ تشبيه ذلك الانذهال بنيتشه لحظة إعلانه موت الله: لقد بات الإنسان مركز الكون، وفي تلك اللحظة تحديدًا تشكّلت فرديّته، الفرديّة التي لم أعرف حتّى اللحظة كيف أتصرّف بها. لذا، انتصارًا للجهل، بنيتُ جدارًا حولي وكرهتُ العالم.
لكنّ يحيى أسقط ذلك الجدار بقصيدة، نسيتُ أن أقول إنّه كان شاعرًا. قرأتُ اسمه أوّل مرّة على ملصقٍ معلّقٍ على إحدى أشجار الجامعة: ندوة شعريّة للشّاعر يحيى المعايطة في كلّيّة الآداب، مدرّج الكندي. لكن قبل ذلك، يجب أن تفهموا أنّ الشعر بالنسبة لي كان أمرًا بسيطًا: شعورًا أو إحساسًا أو غوايةً كما جاء في القرآن. كان المعيار حجم القشعريرة التي تتسبب القصيدة لي بها، لا أكثر ولا أقل!
“لا تسألوني عن وقتي / فقد أفنيته مثل ثور يدور في حلبة / لا تسألوني لماذا أصبح الورد / باهظ الثمن في عيد الحب؟ / ولماذا نسيت الجدّات / كل الحكاوي القديمة / واتجهنَ نحو التلفاز؟ / لا تسألوني إن أوقفنا الساعات / هل يتوقف الزمن؟ / وإن أمطرتْ / هل يبتلّ نخيل القلب؟”2.
لم أفهم كثيرًا مما ألقاه يحيى، لكنّني بكيت، وكان ذلك كافيًا لأعرف أنّنا سنصير صديقين.

(٢) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ
عدتُ إلى البيت، بعد زيارة سريعة لأهلي، السّاعة السّادسة مساءً تقريبًا. أخبرتني سارة في رسالة أنّها ستتأخّر في العودة، ستسهر مع دينا وزين. المسافة من الشميساني حتّى شارع الخالدي تأخذ عادة عشر دقائق، لكنّ إغلاق جميع منافذ الدّوّار الرّابع حدا بالنّاس إلى سلك مسارب فرعيّة. باتت أيّام الخميس متشابهة، يخرج العشرات للتّظاهر، تُغلقُ المسارب، ويعلق النّاس في الأزمة، أمّا الباقي ففراغ. فراغٌ يجلّله الصّمت: لم يفلح المتظاهرون في دخول المشهد، كما لم تفلح الأردن في تصدّر الأخبار. وصلتُ بعد نصفِ ساعةٍ منهكًا، يتملّكني شعور بالرّاحة كلّما دخلتُ البيت واختفت أصوات الخارج، لذا تركت الأباجورات مغلقة. وما إن أغلقتُ الباب حتّى رميتُ جسدي على الكنبة أمام التّلفاز، التّلفاز الذي كان مفتوحًا على الفضائية الأردنيّة.
لم أتذكّر عيد الاستقلال إلّا حين ألقيتُ نظرة إلى الشّاشة، حيث يُزيّن الرّقم ٧٠، مُكلّلًا بتاج الأردن، الزّاويةَ اليسرى من القناة. لم أستمع للبرنامج الدّائر حيث كنتُ أكثرَ تعبًا من مدِّ يدي وإزالة كاتم الصّوت. لم يكسر عتمة الغرفة سوى انعكاس الألوان على الحائط خلفي: ظلال كبيرة ملوّنة، وهدوء مطبق. رائحة السجائر تملأ الصّالة، رائحة حديثة كأنّ أحدًا دخّن منذ لحظات.
انتبهتُ إلى جفافٍ شديد في حلقي، يبدو أنّني غفوتُ قليلًا. تحرّكتُ صوب غرفة النّوم لأجلب غيارًا للحمّام، تحرّكتُ بخفّة دون أن أُشعل الضّوء، وقبل أن أصل الخزانة ارتطم رأسي بشيء ثقيل أعاد لي الإحساس بالعتمة. عدتُ أدراجي لأنير الغرفة. لا أستطيع القولَ إنّني تفاجأت، كنتُ غافلًا عمّا يجري وأشعر أكثر فأكثر كأنّما أواصلُ الحلمَ على الكنبة. كان لابتوب سارة مفتوحًا على التّخت، ثمّة صفحة Word شبه فارغة ينبض المؤشّر في قلبها، وخلفه كلمة وحيدة “لم |”. دهمني شعورٌ بالغثيان، فذلك المؤشّر، تلك الكلمة، ليسا إلا مزحة سخيفة. لم تؤمن سارة يومًا بالإحالات، كانت تردّد دومًا “الأمّهات لسن سوى أمّهات، هل تفهم عزيزي فرويد؟”.
نظرتُ حولي، ما زالت الغرفة على حالها: الكتبُ مرتّبة على حافّة المكتب قبالة التّخت؛ كوب ماء فارغ؛ رزنامة عريضة تزيّنها نباتات بأسماء يابانيّة معلّقة بجانب زرّ الإنارة؛ ملابسها الدّاخليّة ومنشفتها على كرسيّ بجانب المكتب؛ صورة زفافنا على الحائط؛ وجسدها يتدلّى من السّقف، كأنّها ليست أكثر من إضافة جديدة، مجرّد تغيير في ترتيب الغرفة، لا أكثر.
مسلسل سوري
أكره قيلولة العصر، طالما رأيتُ أسوأ الأحلام فيها؛ حلمتُ اليوم أنّني عصام في باب الحارة، وكان أبي عبّاس النّوري بشخصه لا بدور أبي عصام، لي أربع زوجات وأشتكي له من مشاكلهنّ الزائدة، فاقترح عليّ تزوّج الخامسة. استيقظتُ قبل أن أجيبه، ولعاب كثيف يغطّي خدّي الأيمن. وصلني صوت التلفاز عاليًا من الصّالة حين شعرتُ بلسعةِ برد. تلحّفتُ البطانية وخرجتُ من غرفة النّوم. كانت سارة تشاهد مسلسل “غدًا نلتقي”، كاريس بشّار تُزفّ إلى أبي رياض وعبد المنعم العمايري سكران إلى أذنيه، فردتُ البطّانيّة حتّى صارت مثل عباءة باتمان، وصرختُ
– أنا العاشق السيّء الحظّ / نرجسة لي وأخرى عليّ
– حسام بس، بدّي أسمع.
– أمرّ على ساحل الحبّ / ألقي السّلام سريعًا
– بحكيلك خلص.
– وأكتبُ فوق جناح الحمام / رسائل منّي إليّ
– ما بتفهم شو يعني خلص، هي طفّيته عشان ترتاح. بعدين مش انت عندك شغل؟
– ليش طفيتيه؟ بعدين انتِ حاضريته من قبل، يعني ما خرّبنا عليكِ إشي.
– كنت بحضر هاي الحلقة خصّيصًا عشان هاد المقطع، وحضرتك خرّبتُه عليّ.
– ما بعرف ليه بتزعلي بسرعة، صايرين زي الزّواج بالمسلسلات، دراما أصلي يعني.
– امسح خدّك بالأوّل.
– سارة…
– شو بدّك؟
– كلماتٍ مزّقتني كما مزّق الطّفل غيمة / فلم أتألّم ولم أتعلّم…
عادت سارة لمشاهدة المسلسل دون أن تردّ، وجلستُ بعيدًا أشاهدها.
نُفتنُ في بداية العلاقة بتصوّرنا عن الطّرف الثّاني: مَرِح؛ جميل؛ مُغرٍ؛ غامض؛ غريب؛ مُختلف: كلّها محاولات لاستعجال الفهم، لإضفاء معنى على انجذاب غير مفهوم. ثمّ تبدأ العلاقة، ليستحيل الانجذاب صراعًا طويلًا لمحو ذلك التصوّر وإبداله بالحقيقة، سرديّة مقابل أخرى، وليس البادئ هو الأظلم، بل صاحب الصوت الأعلى. بالنّسبة لي وقعتُ بدايةً في غرام مقدّمة شعرها البارزة ليس إلّا، كلّ ما تلا ذلك تبريرات ثانويّة لتفاهة أصيلة. توصّلتُ لاحقًا، رغبةً في إطالة أمد سعادتي، إلى أنّ ثمّة أشياء يجبُ ألّا تُقال، بل يجب أن تظلّ طيّ الكتمان إلى حين، تمامًا كما الشَّعر الذي لم ينجح في الإفلات من قبضة الحجاب!
– الهيئة الملكيّة للأفلام عاملين أسبوع أفلام يوسف شاهين.
– حابّة تروحي يعني؟
– لأ، الدّنيا برد. تعال نحضر هون.
– أنادي الشّباب؟
– زي ما بدّك.
– طيّب، أنا فايت أشتغل.

جمهور النادي الفيصلي العظيم
ما إن دخلتُ غرفة اللّعب حتّى عزمتُ يحيى ودينا وزين. نسيتُ أن أقول (كثيرًا ما أنسى هذه الأيّام) إنّ سارة تكتب، تكتبُ نصوصًا تتنوّع بين القصص والمقالات، نشرت بعضها على مدوّنة شخصيّة، وأخرى في مواقع كالعربي الجديد والقدس العربي. أمّا أنا فأعمل على تغطية ومراجعة الألعاب الإلكترونيّة الحديثة في شركة IGN العربيّة، لم أكن لأفكّر في مهنة كهذه لولا سليم أبو نطّة الذي شاهدني ألعب لفترات طويلة، فاقترح أن أراسلهم. المسألة بسيطة أليس كذلك، خاصّة حين يؤول الأمر للّعب. المُعضلة الوحيدة أنّ كلينا بات يعمل من البيت، هنا يأتي دور سليم في حلّ نزاعٍ محتومٍ على المساحة، فما إن أخبره بحصولي على لعبة جديدة، حتّى نغلق على أنفسنا الباب ونواظب على اللّعب حتّى التّعب.
سليم طالب توجيهي، أحد ألتراس نادي الفيصلي، وأفضل من رأيته يتحكّم بذراع البلايستيشن في حياتي. أبو نطّة ليست عائلته، بل لقبه بين مشجّعي الفيصلي الذي اتّخذه يوم المباراة الشّهيرة ضد الصّريح في الجولة قبل الأخيرة من الدّوري الأردني ٢٠١٤/٢٠١٥. أتذكّر المباراة لأنّني قرّرتُ مشاهدتها دفعًا للملل، كانت الدقيقة ٨٠ تقريبًا، الفيصلي متأخّر في النتيجة ١-٢، والنّادي على وشك الهبوط للدرجة الأولى للمرّة الأولى في تاريخه.
غفوتُ دون أن أشعر، واستيقظت على صراخ المعلّق أحمد الخلايلة “بعد معانااااة”: سجّل الفيصلي التّعادل، ليبدأ هتاف مفاجئ في الملعب. بدا الصّوتُ مشوّشًا في البداية لرداءة بث قناة الأردن الرياضيّة، ثمّ أخذ يتّضح تدريجيًّا رغم ربكة المعلّق “نُط نُط نُط، كس أخت الما بينطّ، عا أختك يا وحدات”، وهنا بدأ الهياج. بعد لحظاتٍ هدأ كلّ شيء مثل لحظة الوعي داخل الحلم، كذّبتُ عينيّ بدايةً، لكنّ لقطة أخرى على الجماهير القليلة الحاضرة أكّدت لي أنّ قائد الهتاف هو سليم، سليم ما غيره.
تبدو حالة التشجيع من بعيد استمناءً جماعيًّا لجمهور محروم، لكنّني أيضًا كنت بعيدًا عن المشهد، فأخذتُ أضحك من نفسي، ومن سليم: الولد الرقيق الأمرد ذي العينين المكسورتين، قائد حملة بقاء الفيصلي في الدّوري زورًا وبُهتانًا.
أرسلتُ رسالة لسليم ليلعب معي قبل حضور أصدقائي، فلم يتأخّر عليّ.
– كيف الدّراسة؟
– تمام يعني، عم بدرس المعدّلات المرتبطة بالزّمن، بس حاس حالي مش فاهم.
– هذا الدّرس ممنوع تحكي مش فاهم، لإنّه ولا حدا فاهمه.
– بس…
– سليم، ما في بس هون. التوجيهي مش عشان الفهم، الموضوع أكون أو لا أكون، بس هيك.
– هاي هاملت؟
– انت بأي مدرسة حكيتلي؟
– العالميّة.
– العالميّة، أوكي. بالمناسبة، انتَ ليش داخل علمي؟
– انسى، شو رح نلعب اليوم؟
– وصلتني FIFA 16.
– أحّا، شكلي رح أعيش عندكم، سارة ما حتزعل صح؟
– لسّا أوّل نسخة، لا تفتح صدرك.

تأتأة
رنّ الجرس، وقبل أن أفتح الباب طلبت سارة أن أنتظر حتّى تضع حجابها. سلّمني يحيى زجاجتي بروسِكّو. أخذ الجميع مواضعهم وصبّت دينا أربعة كؤوس. لاحظتُ انزعاج سارة من وجود المشروب. اختلفنا في اختيار الفيلم حين حسمت سارة الجدل “حدّوتة مصريّة”. جلستُ إلى جانب زين على الكنبة الثلاثيّة، في حين جلس يحيى إلى جانب سارة، ووحيدةً قبالتنا جلست دينا. همست زين في أذني “مالك إشي انت وسارة؟”، “ليه بتسألي؟”، “لأ بس مش قاعدين جنب بعض”، “طب ما هَيْ إنتِ ويحيى مش قاعدين جنب بعض!”. بدأ الفيلم لتحني زين رأسها على كتفي “الله يرضى عليكِ بلا مشاكل”، “مش حكيتلَك”.
لا أملّ من نور الشّريف في هذا الفيلم، أنذهل دومًا كلّما بدأ يتأتئ محاكيا يوسف شاهين. في مقابلة معه يقول إنّ التمثيل مثّل علاجًا نفسيًّا له، لكنّني لا أستطيع التفكير في دوره هنا إلّا بوصفه انهيارًا عصبيًّا يمتدّ إلى ما بعد شارة النهاية التي تتوسّط جسده راقدًا على سرير مستشفى. نعيش في عصرٍ يحارب الصور النمطيّة بأشكالها، وعلى ذلك أسأل نفسي دومًا، ماذا تكون العبقريّة سوى حالة صراخ، حالة هستيريا تدفعها طاقة مهولة من الوعي بإمكانيّة المرء على خدش المستقبل؟
أصبُّ كأسًا ثالثة من النبيذ، ومع أوّل رشفة أشعر برأسي يدور قليلًا. طالما أثّر فيّ النبيذ أسرع من غيره من أنواع الكحول. تصعد الحرارة من صرّتي وتتمركز في جبهتي، في الوقتِ الذي يجلسُ فيه كلٌّ من يسرا ونور الشريف على رصيفٍ في كان. مبتلًّا بخوفه يبدأ بالتأتأة مجدّدًا:
– ما تفتكريش إنه الشهرة اللي جتلي شويا في مصر ضربت في نافوخي ونستني أنا إيه فعلًا… أنا حتة مخرج ابن ناس طيبين…
– كمّل
– الكلام اللي هقولهولك دلوقتي ممم ميلزمكيش بأي حاجة… آمال… أنا…
– يحيى، تتجوزني؟
– يخربّيتك سرقتِ الكلمة من بُقّي. كومبارس أنا بقى ممم متسيبيليش حوار أقوله… بس لازم تعملي حسابك أنا معقّد وعصبي، وتفكيري زي العيال، وَمُوت في الناس تدلعني.
أفكّر أنّني أيضًا أتأتئ، لا في حرف الميم، بل في المعرفة، معرفة الخطوة القادمة، أو ببساطة في الحياة. ألتفتُ إلى اليمين متمنّيًا أن تلتقي عيناي بعيني سارة، تزداد حرارة جسدي وأشعر برغبة بلكم أيّ شيء، لكنّ غضبي يُلجم حين أرى قدرة يحيى على الحديث مع سارة بلا صعوبة، بلا تحفّظات أو حساب رياضيّ للخطّ المسموح بتخطّيه دون إخلال بالمزاج الرائق. كنتُ على وشك الانهيار، إحساسٌ عارمٌ بالفشل، داريته بتعديل جلستي، ومحاولة إتمام الفيلم بلا تفكير.
“شُدّها من خصرها إليك، ضع باطن كفّك الأيمن أسفل أذنها اليسرى وأحكم قبضتك على مؤّخرة عنقها، بيدك الأخرى المس بنعومة خدّها المقابل، أغمض عينيك وقبّلها، ودع لشفتيك ولسانك حرّية الاكتشاف” هذه وصفة أحد فيديوهات اليوتيوب لقبلة جيّدة. يوسف شاهين لا يفعل ذلك، بل يختار الإيروتيكا، على طريقة أفلام زمان: الإغواء لا فيما تراه بل فيما تتخيّله، لذا يكتفي ب close up على مؤخرة رأس يسرا، ثمّ cut.
لمستُ شفتيّ، كانتا جافّتين، فسالت دمعة على خدّي. 

لا تؤاخذني، أنت حمار
لم أكن فالحًا في الغزل، كنتُ أكتفي إمّا بتبرير فشلي فيه أو بانتظار خطوة من سارة، أحيانًا أستطيع مجاراتها وأحيانًا أنتظر رحمة الله.
– شكلِك حلو اليوم.
– مش فاهمة ليش كلكو بتبلشوا بنفس الجملة.
– كلنا مين يعني؟
– هيك إنتو، نفس الحكي، حتّى نفس النّرفزة. شايفك متوتّر من أوّل ما قعدنا، عادي يعني لو ببالك إشي إحكيه ما بعضّ.
– أنا بحبّك.
– بعرف، بس انت ما بتعرف كيف تحبّ.
– بفكّر فيكِ كل الوقت.
– أنا ما بفكّر فيك كثير.
– سارة… تتجوزيني؟
– (ضحكت ملء قلبها) بتجوّزك بشرط.
– شو؟
– تنام معي بالأوّل.
– لأ، بنتجوّز بالأوّل.
– قرّب لأحكيلك إشي.
كُنّا جالسين في المساحة الخارجيّة من مقهى كيبي في اللويبدة، الجوّ حارّ وملابسي التصقت بجسدي، اقتربتُ منها بذهنٍ خالٍ تمامًا، لأجدها تطبع قبلة على شفتيّ.
– عشان ما تضلّ تفكّر كتير المرّة الجاي. وما تخاف ما حدا شاف.
– أنا تربّيت عالخوف، مش زيّك يعني.
– قوم روّح، عشان ما أزعلك.
جلستُ صامتًا، لا أدري أدقيقة أم اثنتان، أشعر بالهواء يصافح خدّي، جبيني دبقٌ لشدّة العرق، حلقي جافّ، والفرحُ يتسرّب من أكمام قميصي. أخرجتُ سيجارة، وقبل أن تصل الشّعلة مقدّمتها، بدأت أصابعي ترتجف فتركتها تقع بعصبيّة.
– يعني مش فاهم، موافقة ولا لأ؟
– انت حمار ولا شو؟

سيجارة قبل ما نقوم
وصلتُ موقع الاعتصام أمام مقرّ الصّليب الأحمر في دير غبار متأخّرًا، في الحقيقة لم يكن اعتصامًا، هذه ليست سوى مبالغة تفرضها الذّاكرة، كانت وقفة تضامنيّة صغيرة مع ثلاثة أسرى فلسطينيّين مضربين عن الطّعام: سامر العيساوي، أيمن الشراونة، وعدي الكيلاني. قرّرتُ، بلا تردّد، أن أشارك فيها لمّا انتبهتُ إلى ضغط سارة زرَّ الذّهاب على صفحة الفعاليّة على الفيسبوك. وإمعانًا في المبالغة (أو في الواقعيّة ربما؟) سأقول إنني كنت كلبًا شريدًا يومها، كلبًا يبحث عن لمسة حانية، حضن، ولا بأس بكليهما.
رغم النّار التي أشعلتها الثّورة المصريّة، لم يُمثّل العالم الجديد بالنسبة لي أكثر من انعكاس شاشة الجزيرة على عيني أبي. لم أكن أعرف معنى “الكومّتمنت” الذي يخافه محمود الرّدايدة، لكنّني بدأتُ أعرف اللويبدة وجبل عمّان، الكحول والشلل المختلطة. لمحتُ زين وسارة واقفتين تحت شجرة لوز والنّاس يلمّون الشعارات المرميّة في الشّوارع. في طريقي إليهما فوجئت بيحيى، فسحبته من يده دون شرحٍ ليشكّل درعًا لارتباكي. اتّفقنا على إكمال الليلة في بار السلحفاة الخضراء في شارع الرينبو، حيث تجربة الشاي الحقيقيّة: نعم، هذا بار لا يُقدّم الكحول. أنزلنا التاكسي على الدّوار الأوّل بعيدًا عن مقصدنا بمئتي متر تقريبًا، أوشكت سارة على الاعتراض، قبل أن يجهض السائق محاولتها بالقول “أزمة”، ثمّ أوقف العدّاد.
على الجدار المقابل للدّوّار كُتبت عبارة بخطٍّ رديء “لا أرى إلّا الموتَ أناجيه”، إلى الأمام قليلًا، توقّنا عند حائط القنصليّة البريطانيّة، لتصوّر زين جرافيتي مرسوم بخطّ أصفر رديء “بريتش كاونسل”. إلى حدٍّ بعيد، كانت عمّان استعارة مشوّهة للقاهرة، قاهرة ما بعد الثورة كما تظهر على إنستغرام وتويتر: خليط من الألوان والشعارات؛ أغانٍ جديدة لا يُتمّ السطر فيها السطر الذي سبقه؛ مقاهٍ معادية للتدخين والشّدّة؛ ولغة تتشكّل بسرعة شديدة. لكن، توخّيًا للصّدق، بدت الحياة مسالمة، مغرية، وطازجة.
كان لقاءً مشوبًا بالصمت والتململ حيث زين منشغلة بمن أُعجب بالصورة التي نشرتها على الإنستغرام، ويحيى يتحدّث عن اكتشافه لحسين البرغوثي، وسارة تستمع له باهتمام. قرأت مرّة أنّ الفتيات، إذا أبدين اهتمامًا ملحوظًا بكلامِ أحدهم، فتلك إشارة إلى شرودهنّ، لكنّ هذه معرفة لاحقة، يومها كنت متيقّنًا أنّها تستمع بملء تركيزها. عرفتُ يومها أنّ سارة تواجدت في أمسية يحيى الشّعرية، إذ بادرته ما إن توقّف يحيى عن الكلام “قصيدتك اللي قرأتها بالجامعة خرا”، فوقع الهاتف من يدِ زين. “آسفة يعني، بس الصّراحة كانت خرا… كم عمرك لمّا كتبتها؟”.
في تلك اللحظة استعدتُ ذات الذّعر الذي شعرتُ به حين توعّدني فتًى بالضرب بعد نهاية الدوام المدرسي. كنتُ في الصّفّ الثّامن، بطني ملزّق بظهري كما تقول أمّي لشدّة نحولي، وعلى ذلك استطاع طفلٌ أخمص أن يدبّ الذّعر في قلبي، تمامًا كما سارة، التي قالت جملتها كأنّما تنفث دخان سيجارة. نسيتُ أن أقول إنّ بار السلحفاة الخضراء مملوكٌ لمحمّد عبد الله، المغنّي الرئيس في فرقة المربّع. في تلك اللحظة الموتورة تحديدًا عمّ صوته المكان “والكل بحكي ببلاش.. وموتّرني”، فاقترحتُ على سارة بحماسٍ مُزيّف أن نخرج لندخّن سيجارة، فأتمّت حديثها مع يحيى قبل أن تقوم “تزعلش”، ثمّ غمزته.
– بتدخني؟
– (هزّت كتفيها، وباعدت بين السبّابة والوسطى طلبًا لسيجارة).
– شو مالك عالشّب، روقينا.
– بتعرف إنّه دينا معجبة فيك؟
– ليش كنت مفكرك ألطف من هيك!
– انتو كلكو بتفكرونا هيك، مش جديد يعني.
– معجبة فيّ كيف؟
– شو رأيَك بالبوس بالأفلام المصريّة؟
– بس أنا ما عندي مشاعر تجاهها.
– ما بتحسّه غريب؟ إنّه العالم مش هيك بتبوس. خد أحمد زكي مثلًا، بيهجم على طول.
– شو المفروض أعمل هسّا؟
– بس بعدين رجعت فكّرت، البوسة مش شرط تمثّل الواقع، يمكن بتمثّل خوف الممثلين من البوسة. فاهم علي؟
– عفكرة يحيى شاعر كويّس، بس انتِ شايفة حالك.
– أنا خلّصت، رح أفوت.
المعرفة شرّ، هذا مؤكّد، وإلّا لِمَ شعرتُ أنّ عيني دينا تخترقانني حين دخلتُ مجدّدًا. ومثل البوسة التي تمثّل خوف الممثّلين، قرّرتُ أن أضرب الفتى النّحيل، وأعقر الفرس الشقراء، وأحتضن راية الصّداقة بعضديّ، ملقيًا مقطعًا من قصيدة أخرى أحفظها ليحيى بينما أنظر في عيني سارة: “إن النساء اللواتي عضضنَ قلبي / وعبثنَ بدوزان كماني / كنَّ نشازاً أو غباراً. لم أعد أذكر! / كانت طريقهنَّ أطول من ألمي / وسوناتاتي تسير إليكِ حافيةْ / حبيبتي، أيتها الربّة المتوّجة / مرآتي ليست سوى لوحة ثابتة / لا تبثُّ سوى صورتكِ المؤلّهة / أرجوكِ، لا تحرقي رسائلي / إنها أصابعي التي في النار”3.

ثنائيّات عمّانيّة
تذكّر هذا جيّدًا: قيلولة المساء بؤرة للقلق، ما إن تستيقظ حتّى يهجم أسرابًا من نملٍ أبيض على بدنك. استيقظتُ السّاعة السّابعة مساءً وطعمُ الخوف في فمي، شربتُ ماءً، ولمّا استمرّ الطّعم شعرتُ بالأسى، فلبستُ ملابس رياضيّة ونزلتُ لأمشي. لمحتُ سارة تكتب وتدخّن في الصّالة، سمعتُ صوتها خلفي لكنّ صوت إغلاق الباب سبق صوتها. الليل طويلٌ في الشّتاء، والبردُ أنيسُ الوحيدين. تهمي قطراتٌ من الماء بشكلٍ متقطّع على الرصيف والأسفلت، قطراتٌ غير مرئيّة من بعيد لولا أضواء الإنارة ودخان شابّين يقفان عند ناصية الشّارع.
ثمّة سيرتان لشوارع عمّان، الأولى ترويها أسماؤها المتداولة بين النّاس، والأخرى ترويها أسماؤها المقيّدة في أمانة عمّان. حين كنتُ صغيرًا، كنّا نسكنُ في شارعٍ يدعى المجريطيّ: عالم رياضيات وفلك أندلسي. فوجئ أهلي باسم الشارع بعد عشرين عامًا من حياة مُعادة كل يوم، فقد كان يُعرف بشارع المقبرة. وها نحن نسكن في شارع ابن خلدون، ولا أحد يعرف له اسمًا سوى شارع الخالدي: شارع المستشفيات والمجمّعات الطبية.
عمّان ليست مدينة واحدة. يعني المدرّج الروماني وجبل القلعة هما عمّان، لكنّهما نسخة جذّابة منها تصلح أكثر بوصفها صورا ملصقة على بطاقة بريديّة. شعرتُ أوّل مرّة قرأت رواية معن أبي طالب “كلّ المعارك” بالغضب، إذ يُكنّي الأماكن في عمّان باسمين لا أكثر: الشرقية والغربية، غافلًا حتّى عن ذكر اسم المدينة، كأنّها ابنة حرام، أستغفر الله. مضى وقتٌ قبل أن أستعيد الرواية، وإذ ذاك شعرتُ أنّني تفهّمتُ فِعلته: التّعامل مع هذه المدينة مربك، ولأنّ أبا طالب لم يكن معنيًّا بكتابة تشبه هذه، فضّل الاختزال: أن يقفز عن الاسم كما يقفز بطله إلى الحلبة، فالأسماء تهمة.
إذا كان دوّار الداخلية يقسم المدينة نصفين حقيقةً، فإنّ شارع ابن خلدون/الخالدي يقسمها نصفين معنويًّا، فعدا عن كونه امتدادًا لمقرّ رئاسة الوزراء من طرف والسفارات الأجنبية من الطرف الآخر، تنتشر على ضفافه مجمّعات طبّيّة، أغلبها عيادات نفسيّة أقلّ جلسة في إحداها تُكلّف أربعين دينارًا. إنّه شارع الجنون، الغنى الفاحش الذي يبحث عن دينٍ جديد يلبس عباءة بيضاء تُزيّنها سمّاعة ليعبده، الأرصفة النظيفة، والهواء العليل، في مقابل الأزقّة الفرعيّة المعتمة التي تتفرّع عنه، تلك التي تتشبّث بأطراف البلد السّفليّة، حيث يجب أن يذهب كلّ مارٍّ إلى” وهو في الأصل “حيث يجب أن يذهب كلّ مارٍّ إلى هناك ليتذوّق طعم الأردنّ الحقيقيّ: مطعم هاشم وكنافة حبيبة ومنسف القدس.

حدس
مشيتُ ما يقارب نصف السّاعة، لا شيء سوى الهدوء يكسره كلّ حين حفيف أوراق الشّجر. توقّفت لأشعل سيجارة حين أدركتُ أنّني أقف أمام المجمّع الذي احتضن عيادة الدّكتور صدّام القرعان، فأكملتُ السيجارة مشيًا صوبَ البيت. وجدتُ سارة على ما تركتها عليه، جالسة على الكنبة ضامّة قدميها أسفل جذعها محدّقة في التلفاز المُطفأ.
– فاضي تقرأ إشي؟
– مزاجي مش رايق.
جلستُ بجانبها، ووضعتُ رأسي على كتفها.
– مالَك إشي؟
– تعبان شوي.
لفّت ذراعها حولي وشدّتني إليها، وأخذت تمسّد شعري. رغم الرّاحة التي مدّني بها هذا القُرب، كنتُ متوجّسًا، خالطني شعورٌ بأنّني على وشك الانهيار. الانهيار تجريدٌ لا يفصح عن المعنى تمامًا، لكن ما البديل؟ انهياري الآن أخذ شكلًا صامتًا: لا صراخ، لا ضغينة، ولا تعبَ حتّى. وحده حضنها كان عزاءً ملائمًا. أدنَتْ رأسها وقبّلتني على نحري. اقشعرّ جسدي من ملمس شفتيها الباردتين، فأمسكتُ بيدها، وضممتها إلى صدري. بيدها الأخرى، أشعلتْ التلفاز، وفتحتْ مقطعًا على اليوتيوب لطفلٍ لا يتجاوز سنّه عامًا واحدًا يُطعم أمّه قطعًا من الخبز. مع كلّ لقمة يضحك جمعٌ من النّاس، ووحده الطّفل ظلّ عابسًا، يُطعمُ أمّه بعصبيّة وسرعة، يفعل ذلك كأنّها مهمّة أُكره على إنجازها. حاولتْ أمّه استبدال الأدوار، فقرّبت بدورها قطعة من فمه. غضب، فضرب يدها حتّى سقطت. وكما لو كان يعاقبها على تمرّدها، أخذ يزيد من سرعته كلّما ضحك أحدهم، وشرع بإطعامها بوتيرة أعلى حتّى كاد ينفجر فمها، فأخذتُ أضحك أنا أيضًا.
دون أن تنظر لي، مرّرت مؤخّرة يدها على خدّي بحنانٍ لم أعرف أنّني بحاجة له بهذا القدر. نظرتُ لها بدوري، ميّزت رائحة جوز هند هبّت من ناحيتها، لحظة لقاء العينين كانت سريعة بما يكفي كي لا ألحظ انتصاب قضيبي، وعلى ذلك بقيتُ هامدًا في حجرها، حزينًا رغم الضّحك، وبلا طاقة على الحراك. قالت إنّ وضعي أفضل من تلك الأم على الأقل وابتسمتْ.

بعد الموقعة
لم تنشر سارة في حياتها شيئًا، كما لم تترك أيّ شيءٍ خلفها. حذفت كلّ شيءٍ تطاله يداها قبل موتها بقسوة مدهشة. تذكّرتُ حالما استيقظتُ نصًّا أطلعتني عليه بعد شجارٍ لا أذكر تفاصيله، وقد كانت المرّة الوحيدة التي أطبع فيها نصًّا لها. أحببت النصّ، وطبعته تأكيدًا على تلك المحبة التي لم أستطع إعلامها بها. ثمّة شيءٌ منعني عن إخبارها بإعجابي، لعلّه شعورٌ بالمهانة أردتُ ردّه إليها، شعورٌ قد تعاظم الآن بعد موتها. نزلتُ إلى السيارة حيث خبّأتُه، ومن على المقعد المجاور لمقعد السائق، مغلقًا العالم على نفسي في ذلك المقعد الضّيّق، أخذت أقرأ:

تعليق على الكارثة
قلتُ لحسام مرّة إنّه من ضرب المستحيل أن يفهم أحدٌ، أيّ أحد، الآخرَ. تلبّد وجهه، فأعدت. في اللحظة التي أعبّر فيها عن نفسي، في تلك اللحظة تحديدًا، تشغلني فكرة ما، كما أنّ فكرة أخرى تشغلك. لحظة التقاء فكرتي بفكرتك، هي لحظة ضائعة، لحظة مهدورة، يبدّدها اختلاف معارفنا واهتماماتنا. أسألك عن تسريحة شعري الجديدة، فتقول جميلة، لكنّها تسريحتي، ستظلّ تسريحتي، هل تفهم؟ فيقول أفهم، ولا أصدّقه
– باسل الأعرج، أمم أوروبا، كأس العالم، سيد رجب في موجة حارّة، إسقاط مرسي، الشّعب يريد، الكحول، الحجاب، صوت الأذان. هدول شو؟
– أشياء.
– لأ مو أشياء. هدول خناقات
– طيب هسّا انتِ شو بدّك، مش بشكل عام، تحديدًا هسّا شو بدّك؟
– برهان غليون.. مانك سمعان
يعتقد حسام أنّه لا يفهمني، ما يجعله يشعر بالتعاسة. أمّا أنا فأعتقد أنّه يفهمني جيّدًا، ما يدبّ الرّعب في قلبي. دعكم من الكلام السّابق، فذلك وجه الخوف صافيًا. ثمّة شعورٌ دائمٌ بالجوع لديهوكما كلّ الرجال، يحب حسام العيش متصوّرًا أنّ الحياة غامضة، وأنّ النساء لسن سوى انعكاسًا لذلك الغموضكلّما اقترب خطوة أراد المزيد، وأنا اكتفيت من الرّغبة منذ زمن طويل. وهذا ليس إحالة إلى الاكتئاب، ولا الرّضا، بل إلى السّعادة. ما زلتُ أريدُ أشياء من الحياة: أريد أن أُحبّ؛ أن يُعجب الآخرون بكتابتي؛ أن أصل للأورغازم دومًا؛ أن أنال الاعتراف، خاصّة من أولئك الذين لا أعرفهم؛ أن أرى البحر؛ وأن أنعم بالوحدة. لكنّي أريد تلك الأشياء على حدة، أن ينفرط عقدي ويستمتع كلّ جزء مني بالأشياء على انفرادها. وفي اللحظة التي تغادرني فيها كلّ نسخي الأخرى، حينها فقط أودّ الاستمتاع بالحياة.
أفكّر كثيرًا في فيلم محمّد ملص الأخيرسلّم إلى دمشقالذي شاهدته مؤخّرًا. مثّلت نجلاء الوزّة شخصيّة غالية في الفيلم. غالية فتاة تبحث عن صديقة طفولتها زينة، ولمّا لم تعثر عليها، بدأت تهجس بأنّها اثنتان: غالية وزينة في الوقت ذاته.
ما الماضي؟ هل هو خبر انتحار نجلاء، أم قبلة فؤاد لها، فؤاد الذي شعر أنّه قَبَّل زينة لا غالية؟ اختار ملص ممثّلتين لأداء دوري غالية وزينة رغم أنّ القصّة تبرّر اعتماد ممثلة واحدة فحسب، اختار لها ولنا، أن نراها بعينيها فقط، فالتعدّد هنا إفراط، والحرب دائرة على الفرد قبل المجموع، أم إنّني أسأتُ الفهم؟ دعونا لا نستعجل.
شباب بس شوفوها للصغيرة؛ عاجل: كبرت الصغيرة وصارت عروسًا
مدهش، أليس كذلك؟ لا أحبّ رواية الأجيال، فالإيقاع فيها سريع ولا يشبهني، تمامًا كما النقلات في الأفلام، فالصّغيرة تكبر بcut واحد وتتزوّج في آخر، ثمّثمّ تنتحر شنقًا في جنوب أفريقيا، حيث الربيع لا يشبه إلّا الخريف. 
عزيزتي نجلاء/غالية/زينة، أودّ التعليق على الكارثة، إن سمحتِ لي. كتب أحدهم التالي تعليقًا على فيديو يوتيوبالدكتور مات البعض يقول انه انتحر لكن الطب الشرعي انكر ذلك وقال ان رصاصة خرجت من المسدس بالخطا اثناء تنظيفه للمسدس، الفيديو بعنواند. صدّام القرعان: المرض العقلي والنفسي“. صدّام القرعان جاري، عيادته كانت في رأس الشّارع. طبيب نفسي أصلع الرأس وذو شارب طويل مفتول عند الأطراف، بطل خمّارة كما يمكن لطوني فرح أن يصفه. وها أنتِ ترين، يزعم المعلّق أنّ الطب الشرعي أنكر انتحاره. لقد مرّ الآن سبع سنواتٍ لا يمكن معها، كما لم يكن ممكنًا حينها، التأكد من التقرير. يمكنك التأكد من شيء واحد فقط: اسمه الأول مركّب: صدّام حسين. عروبي محبّ للسّياسة، أو لعلّه حبّ من طرف واحد. عزيزتي، لا تنظري لي هكذا، فهذا ما تقوله الصحف والمواقع. 
اختزال؟ معك حقّ، إنّه اختزال فاضح. كنت غاضبة في السّابق، تمامًا مثلما كان يغضب هو حين أرفض الدّواء فيقول محتقنًاالتوتر الطبيعي هونويضع يده بموازاة صدرهوإنتِ هونفيرفعها قبالة رأسه، وحين أظنّ أنّه انتهى من درسه، يعود ليكملعند درجة حرارة تسعة وتسعين المي شو بتكون؟أتفاجأ، فأتلعثمحامية؟، فيصرخبحكيلك شو بتكون؟، أحاول التفكير بسرعة، يخذلني عقلي ويسعفني لسانيسائل سائل، في تلك اللحظة ينفتل شاربه أكثر فأكثر، فيكمل متسائلًاوعند درجة مِيّة شو بصير؟، فلا يترك لي المجالعند مِيّة بتغلي، وإنت بتغلي يا حبيبتي يا سارة“.
لم أعد غاضبة الآن، فليختزلوه ما شاءوا، فمهما حاولتُ الإنكار، سيظل اسمه صدّام حسين القرعان، العروبي الذي يحبّ السياسة من طرفٍ واحد. لعلّي سأكرهه لو لم يمت، الموت انتصار مطلق يا عزيزتي وهذا ما يجعل الموتى أنبياء. أحبّه كما أتذكّره: وحده وحده وحده. يدخّن سيجارة تلو الأخرى متغافلًا عن نفض الرّماد، غريبٌ كما الآلهة، جميلٌ كما النبي يوسف. 
أحبّك أنتِ أيضًا: بلا أرشيف، بلا سيرة ذاتية، بلا أهل يزيّفون انتحارَكِ فيقولون وقعتِ من السّطح، عليكِ أن تتأكّدي أنّ لا أحدَ في الواحدة والعشرين يقع من السّطح؛ هل تفهمين؟
***
٢٠١٥ في ثوانٍ:
ارفع راسك انت أردني؛ عاصفتان ثلجيتان غير مسبوقتين باسمهدىوجنىتضربان الأردن؛ افتح بنموت: مذبحة مشجعي الزمالك في مجزرة الدفاع الجوي؛ هجوم إرهابي على مجلة شارلي إيبدو؛ إصدار روايةاستسلاملميشيل ويلبيك؛ عاصفة الحزم تهبّ لإنقاذ اليمن؛ عودة العلاقات الدبلوماسية بين كوبا وأمريكا؛ 2236 قتيلًا في حادثة تدافع في الحج؛ انتهاء سياسة الطفل الواحد في الصين؛ مئات القتلى في تظاهرات في بوروندي؛ هولندا تسجل 1871 حالة انتحار: الرقم الأعلى في تاريخها
***
عزيزتي، حين أموت، أريد أن أكون خبرًا واحدًا فقط؛ فالموت ليس بداية، الموت ليس إلّا الموت. 
كانون الأوّل، ٢٠١٥

يا موسى لن نصبر على طعام واحد
تعرّفتُ على دينا عام 2011، عقب أحداث رشق متظاهري دوّار الدّاخليّة بالحجارة. في تلك الفترة كنتُ أسكن في المدينة الرياضيّة، حاولتُ يومها الانضمام للمظاهرة لكنّ جميع المنافذ كانت مغلقة بالحواجز، سواءً من دوار المدينة أم من عرجان أم من شارع الأردن. كانت ليلة هادئة كأنّها ليلة القدر. ورغم الانقباض المسيطر، إلّا أن أملًا مُنهَكًا لاح في دربي. عدتُ إلى البيت وتسمّرتُ أمام التلفاز، سهرتُ طوال الليل مع أبي ونحن نقلّب بين شاشة الجزيرة ورؤيا والتلفزيون الأردني. على أنّ الأعداد لم تكن كبيرة، بل أخذت تقلّ مع تفرّق المتظاهرين في أحياء جبل الحسين، أخذت عينا أبي تلتمعان.
أتذكّر جيّدًا تغريدة على تويتر “بصلتي بإيدي ومش خايف”، لم يخطر في بالي قبل ذلك أنّ البصل يقي من الغاز المسيل للدّموع. ظلّت مقولته تتردّد في أذني، ولم يتفتّق ذهني سوى عن بصلة سحريّة تنير السّماء عموديًّا كما في أفلام الخيال العلميّ، ترفع حاملها لتقيه من عدوٍّ مباشر.
تفرّق الجمع بواسطة خراطيم مياه ضخمة من الأمام، وحجارة من الأعلى. حين بدأ الأسفلت بالانكشاف تحت الأقدام المنسحبة، تذكّرتُ أغنية كنّا نردّدها في حفل تخريج مدرستي في الابتدائيّة: مدرسة طارق بن زياد، ونحن نرتدي الزّيّ العسكريّ “البحر من ورائكم، عدوّكم أمامكم، احملوا سيوفكم، قاتلوا عدوّكم، طارق بن زياد، بطل الإسلام”. ابتلع البحر يومها كثيرين، شربوا ماءه حتّى جفّف الملح حلوقهم.
خرجتُ راجلًا السّاعة السادسة صباحًا لأشتري علبة سجائر. تراءت لي فتاة تتحدّث مع صاحب الدّكان من بعيد، ولمّا اقتربتُ بما يكفي لأسمع الحوار، وجدتها تشاركه فرحتها بتفريق المتظاهرين “مالنا ومال اللي بصير بمصر، طول عمرنا بلد أمن وأمان، مش ناقص غير كم عرص ريحتهم بصل بدهم يعملوا ثورة”. انتبهتُ أنّها كانت تلبس فستانًا، كأنّها عادت للتّو من سهرة استمرّت طوال الليل. قاطعتهما قائلًا “بالله باكيت مارلبورو أبيض يا سامح”، وبعد صمتٍ لم يدم طويلًا، لم أستطع كبح نفسي، نظرتُ في عينيها وسألتُ سامح “بلاقي بصل عندك كمان؟”.
لا أذكر، هل نعتتني بالوقح أم العرص يومها. لا يهمّ، فالصّداقة تجبّ ما خلفها، أليس كذلك؟

(١) تبعات الاحتفال برأس السّنة
الذاكرة تصنع الأدب، أمّا في الواقع فهي ليست سوى مفرخة للكذب. هل قبّلتُ دينا حقًّا أمس، أم أنّه السُّكر يُظَهِّر صورًا من اللاوعي؟ بيني ودينا تاريخٌ قديم، إعجاب يفتر ويشتدّ ويفتر على مراحل متقطّعة، ولم ينتهِ حتّى بعد ارتباطي بسارة. لكنّني كنتُ مقتنعًا بأنّ الحبّ مسؤوليّة، أقلّ متطلّباتها ألّا تنساق وراء مشاعر لا يبرّرها سوى الشّهوة، لذا ظلّت دينا استعارة خائبة للذنب، حتّى البارحة.
بعد لفٍّ ودوران في الشّوارع طال، عدتُ إلى البيت لأُفاجأ بهرج ومرج في العمارة. وجدت ثلاثة رجالٍ يحاصرون آخرَ في زاوية الطّابق الأرضي. على اليمين حارس العمارة، يمسك بيده عصا ممسحة ويصرخ من بعيد “اثبت ياض”، جارنا العراقي أقرب لباب العمارة كأنّه يحرسه، وجارٌ آخر لم أتبيّن وجهه يحكم ساعده على عنق الرجل المُحاصَر ويصرخ في وجهه. شعرتُ برعبٍ خالطه ارتياحٌ بأنّني لستُ المُتّهم. طلبوا منه إخراج هاتفه وإطلاعهم على آخر مكالماته، ثم استجوبوه طويلًا عن هويّة البيت الذي قصد سرقته. انقبض قلبي، وتراءى لي مشهدٌ آخر أفكّ فيه حصار الرّجل وأنقذه ممّا هو فيه، لم يُعدني منه إلى الواقع سوى صوت الرّجل يقول “كنت بالطّابق الرّابع”، فيُسأل “أيّ شقّة؟”، وحين أجاب “اللي على اليمين” ميّزت الصّوت: صوتَ يحيى، وأكمل ذهني وحده الكلمات المتقاطعة. تدخّلتُ بفتور “سيبوه، هذا يحيى صاحبي بعثته يجيبلي شغلة من البيت”، ثمّ ضغطت زر المصعد دون أن أنظر في عينيه، قال بهمسٍ إن الأمر مختلفٌ عمّا يبدو عليه، فأجبته “بعدين، بنحكي بعدين يا يحيى”.
دخلت المصعد وصوت أحد الجيران يتردّد في أذنيّ “الله يستر علينا”.

٢) تبعات الاحتفال برأس السّنة)
لا تستطيع سارة الحديث عن نفسها بيُسر حتّى وإن استخدمت ضمير المتكلّم، إذ يجيء خافتًا كأنّها تعتذر عنه. بالنسبة لها، وجودها مقرونٌ دومًا بالآخرين: بحكاية سمعتها، بشخصيّة قرأتها مؤخّرًا في رواية، بفيلم، بذكرى، بحلم. فتنني الأمر في البداية. أخبرتني مرّة عن تعلّقها بكتاب أورهان باموق “إسطنبول: الذكريات والمدينة”، بالصبي الذي يظن أنّ له نسخة أخرى في أحد أحياء المدينة. في لقائنا التالي قالت لي إنّها لم تعد معجبة بباموق، لأنّ الذاكرة تعطّل الوعي وتفتح الباب لعواطف يزيّفها الزمن، ثمّ حدّثتني عن بيتر هاندكه الذي لم يُفهم كما يجب، يقولون إنّه من زمرة روائيي الذاكرة، تلتفت لي، وبصوتٍ يختلط فيه الأسى بالمرح تسألني، لا بصيغة استفهام، بل استنكار: كيف يصحّ ذلك دون أن يعطي أمّه المُنتحرة صوتًا في كتابٍ مخصوصٍ لها؟ الحدّة، الحدّة يا حسام. لم أفهم، ولعلّي لم أرد أن أفهم كذلك، كيف لها أن تتحدّث عن الحضور وهي غائبة إلى ذلك الحدّ؟ كنت أنتبه لوجودها حين نتشاجر فقط، فجأة تظهر الأنا، لكنّها أنا مقرونة بوجود الآخر، النّدّ الذي يعرّفها عبر عنفٍ مكتوم. الكلام لا يهمّ، بل الوجه، العينان المشتعلتان رغبة في محو الآخر، محوي أنا على وجه التّحديد.
حين دخلتُ البيت، وجدتها جالسة على الكنبة، ولمّا انتبهت لي قالت بهدوء: وداعًا بونابارت، فلم أتمالك نفسي، انقضضت كمصارع سومو يبحث عن خيطٍ رفيع ليهدّ الجبل.
– يحيى شو كان بعمل هون؟
(صمت)
– بتعرفي شو كانوا يحكوا الجيران؟
(صمت)
– يعني مش ناوية تحكي إشي؟
– شو بتحب أحكيلك، آسفة مثلًا؟
– يعني اللّي فهمته طلع صح؟
– شو بدّك هلّأ؟
– بدّي أفهم
– تفضّل، شو حابب تفهم؟
(صمت)
– احكي ما تخاف
ذرعتُ الغرفة ذهابًا وإيابًا بصمت، تّردّدتُ ممّا أوشكتُ على قوله، لكنّني، حين أدركتُ أنّ الأسوأ قد حدث فعلًا، قلتُ:
– ليه بتلبسي حجاب، ليه كل ما أشرب بتطّلعي عليّ بطرف عينك؟ إنّه شو يعني، الواحد بطلعله يعمل اللي بدّه إياه طالما صورته حلوة قدام حاله؟ طب ما أنا صورتي حلوة قدّام حالي كمان.
– متأكّد؟
– بعدين مع مين، مع يحيى، مش عأساس مبتذل وبعبد الاهتمام!
– عمرك ما حتفهم.
– مش مهم أفهم، بس بدي أعرف.
– انت مفكّر الحجاب ميزة: شوفوا ما عندي مانع إنّه مرتي محجّبة! بتفتخر قدّام العالم مرتي بتكتب وانت عمرك ما علّقت غير حلو وبجنّن. بس المهم الحمد لله لقينا الشب المتحرر اللي ما بيحكم عالمرأة وبدعمها على طول. مفكّرني وحدة من الستّات اللي بطلعوا على يسعد صباحك ليكون؟
– استني استني، أنا مش فاهم هاي الوقاحة من وين جايّة، كيف لو مش لسّا الأخ طالع من عندك والجيران ماسكين فيّه.
– ولا تزعل، هلا بكتب بوست عالفيسبوك إنّي نمت مع يحيى، ولا بتحب أحكي خُنتك؟
– أمسكتْ هاتفها وبدأت بالكتابة فعلًا، ودون كبير تفكير، سحبتُه من يدها ورميتُه جانبًا
– بتعرفي شو، كنت دايمًا أشوف كيف في شباب بتعاملوا مع البنات وأستغرب، ووعدت حالي ما أصير زيهم، لهيك ما حغلط بالكلام.
– كتّر الله من خيرك، بس بشرفك اغلط، لو مرّة وحدة اغلط وبلاش هالتمثيليّة اللي عاملها.
– انت وحدة… (صمت).
– كمّل، خلّيك زلمة وكمّل.
هذا مشهد مكرّر، ديجافو، عبر رأسي مئات المرّات. وسط المعمعة شعرتُ أنّ كلّ شيء هدأ فجأة، كلّ الأصوات ابتعدت، كما اختفت كلّ الألوان، مشهد مكرّر. دون أن أقول كلمة إضافيّة، دخلت غرفة النّوم، تناولتُ حبّتي مهدّئ من الكومودينة، وذهبتُ في النّوم كالمقتول.

فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
منذ ذلك اليوم، أشعر بالفزع كلّما استيقظت في عتمة الصّالون، شعورٌ بالفقد يتأجّل كلّ يوم مع تأكّدي من أنّ سارة لم تغادر البيت بعد، يعقبه شعور بارتياحٍ مكسورٍ كلّما سمعت صوتها أو حركتها في البيت. أردتُ، كما في الألعاب، أن نعاود البدء من آخر نقطة محفوظة. لكنّ الإيقاع اختلف الآن، ثمّة صعود في النغمة، بل نشاز، لن يوازنه في الوضع الطبيعي سوى افتراقنا لمدّة من الزّمن؛ فالمسافة وحدها ما تقرّب الأنداد. اللغة حدّ، والحدّ يغيّر الواقع. بمجرّد تعريف شيءٍ ما، أيّ شيء: زوج، حبيب، صديق، عدوّ، زميل… في تلك اللحظة ثمّة مفارقة تسري في الدّماغ ليس بالإمكان إيقافها إلّا بتعريف آخر: كي نعود زوجين علينا أن نصير أندادًا أولًا.
لم نعد للحديث عن ذلك اليوم، انغمستُ أنا في تجربة الألعاب، وأكملت هي الحياة من وراء لابتوبها. كنّا نتبادل كلماتٍ قليلات، كلمات إجرائية تتعلّق بالطعام وأوقات استخدام الحمّام وأماكن النّوم. طَلَبت هي أن نتبادل النّوم على الكنبة، وأخبرتها أنّني أفضّل أن أنام عليها وحدي، وهذا ما صار.
قلتُ نغمة، لكن الأمور آلت إلى صمتٍ وديع كأنّ الحياة مرعى، وكأنّنا أبقارٌ تهزّ أجراسها غافلة عن السّعادة أو الحزن.
استمرّ الحال على ما هو عليه شهرين أو ثلاثة. كنت أحلق ذقني في الحمّام حين فتحت الباب عليّ وسألتني إن كنتُ جائعًا. في تلك اللحظة شعرتُ بوخزٍ في خاصرتي، رأيتُ الحياة صافية كما أراها من وراء النظّارات، ودون تحكّمٍ منّي أخذتُ أبكي، أبكي ويسيل مخاطي على شفتيّ، فاقتربت واحتضنتني. انقلب البكاء نشيجًا وارتجّت الأرضُ تحتي، فجلستُ بجانب المغسلة. قلتُ لها إنّني أسامحها، بل إنّني أفهمها أيضًا.
قلتُ أشياء كثيرة دون تفكير، وظننتُ للحظة أنّها استمعت لي بقلبٍ ملؤه الإيمان: إيمانٌ بأنّ الحياة كريمة بما يكفي لنتجاوز. مسحتُ دموعي ونظرتُ إليها، كانت عيناها ذاهلتين، استغربتُ من ثباتها قبل أن تنظر إليّ لتقول إنّ أحدًا لم يكسرها في حياتها كما فعلتُ الآن. رجف قلبي، وقبل أن أحظى ببرهة لأستوعب ما قالت عادت لتعانقني، فشددتها إلى صدري مطوّلًا.
كان خطأ في التأويل، خطأ بسيطا، لكنّه حدث ولا يمكن استرداده أبدًا، هذا ما سأعرفه لاحقا.

الصّحّة النّفسيّة مهمّة
منذ وفاة سارة أخذ الفيسبوك يشارك معي إعلانات عن علاجاتٍ للحزن: كُتب آلان دو بوتون، مجموعات علاجيّة في مستشفى الرّشيد، فيديوهات تروج لعيادات نفسيّة، معجون كولجيت يُعيد لك البسمة، وأشياء أخرى. كنتُ أردّد في نفسي، ولكلّ من أقابله، أنّني لستُ مكتئبًا، وأنّني لا أشعر بالذّنب حيال سارة، أو إزاء الماضي برمّته، لكنّ أحدًا لم يصدّقني متحجّجين بمراحل اكتئاب خمس لا أعرف أين أو كيف أخذت بالانتشار. دينا وحدها صدّقتني، وواظبت على زيارتي، بل يمكنني القول إنّ مشاعر، عزّزها شعورُ الحرّيّة الهابط من عَلٍ، أخذت تتشكّل بيننا.
في أحدِ الأيّام أخبرتني عن شخصٍ فتحَ عيادة للعلاج بالأدب الرديء. عقدتُ بين حاجبيّ، فأعادت ما قالته دون تفسير، فانفجرنا في الضّحك. أرسلت لي رقم هاتفه برسالة وطلبتْ أن أُجرّب، فوعدتها بأن أفعل، إن شاء الله طبعًا.
مرّ أسبوع منذ حديثي مع دينا، في ذلك اليوم أمطرت الدّنيا فجأة، على خلاف توقّعات طقس العرب بيومٍ مشمسٍ ظلّ وفيًّا للنبوءة حتّى العصر، لتنفجر السّماء ويبدأ مطرٌ كثيفٌ لا يساومُ أحدًا بالهطول: خبطٌ على النوافذ؛ مارّة يحتمون بالشرفات ومداخل البنايات؛ وسيّارات تتعطّل وسط الشّوارع الغارقة. قرّرتُ أن أستعيد ذكرى حبٍّ قديم إزاء المشي في الشّوارع المُبلّلة، فلبستُ ملابس رياضيّة وحملتُ مظلّيّة معي. كانت حبّات المطر كبيرة، والهواء باردًا، لذا حثثتُ خطواتي لأُدفئ جسدي حتّى وصلتُ الدّوار الرّابع، وما إن وقفتُ لأفكّر أيّ الطّرق أسلك حتّى انكسرت المظلّيّة، فانتبهتُ أنّها مظلّيّة سارة. أنزلتها ضامًّا إياها إلى جانبي. تجاوزتُ مقرّ رئاسة الوزراء مكملًا الطّريق باتّجاه دوّار الشميساني راجلًا.
أحبّ هيئة المطر حين تعكسه أضواء السّيّارات، لكن لمّا كانت جميعها مسرعةً لتصلَ إلى مستقرٍّ لها، نالني من الطّيّب نصيبٌ وافر ما أبدلَ متعة مراقبته بللًا أغرق ملابسي، فقرّرتُ إيقاف أوّل تاكسي في طريقي. لم أعرف إلى أين أذهب حين سألني السائق عن وجهتي، فاستحضرت ذاكرتي عيادة الأدب الرديء. بحثتُ بسرعة عن رسالة دينا، وطلبتُ من السائق التوجه إلى ماركا الشّماليّة. قطعنا الطّريق صوب عمّان الشّرقيّة عبر شارع الاستقلال، ثم إلى المحطّة بربع ساعة. عرفتُ أننا اقتربنا من الوصول حين اخترقت روائح مسلخ عين غزال أنفي رغم إغلاق النوافذ. أنزلني السائق في حي المَزارع، وأكملتُ المسافة المتبقية مشيًا حتّى وصلتُ البناية. في الطّابق الأرضي سألتُ موظّفي شركة أورانج عن موقع العيادة، ضحكوا لسؤالي وأخبروني أنّها في الطّابق الثاني من البناية نفسها.
كان رجلًا كبيرًا، في منتصف سنوات الستّين تقريبًا، بلا ذقنٍ أو شارب؛ ما باعد بين الرّاحة وبيني. كانت العيادة خالية، وبلا سكرتير/ة أيضًا. طلبَ منّي الانتظار، وبعد دقائق دخل بكوبي قهوة، فابتسمت له. لم يسألني عن اسمي أو عملي، بدأ مباشرة بالسؤال عن كتّابي المفضّلين. أخذتُ أفكّر قليلًا، فأجبته أنّني أحبّ مؤنس الرزّاز، ثمّ ابيضّت صفحة عقلي، لم أعد أذكر أحدًا آخر. هزّ رأسه ممانعًا وقال إنّ مؤنس الرّزاز كاتب جيّد، وإنّه يريد أن يعرف عن الكُتّاب الذين أخجل من الاعتراف بحبّي لهم. طلب منّي أن أفتح عيوني، فالعيون مغاريف القلوب، وابتسم. تعرّقت راحتا كفّي، وأخذتُ أهمهم. أغمضتُ عينيّ، فأومضَ اسمُ أحمد مراد كأنّما داخل لوحة إلكترونيّة في عقلي. أطلعته على إجابتي، فقال ممتاز، أحمد مراد ممتاز، إذا قرأتَهُ كلَّه، أَعِد قراءته، فالتسلية رفيقة الصحة النفسية.
لم يَطُل بقائي عنده، تحدّثنا بما يسمحُ به هامشٌ يفصلُ أيَّ غريبين عن بعضهما. هزّ رأسه في نهاية السّاعة، زمن اللّقاء، وأمسك روشتّة وبدأ بالكتابة، ثمّ طلب أن أترك أربعين دينارًا عند المدخل، ومع السّلامة. حملت الورقة واجمًا ثمّ خرجت. مشيتُ حتّى مسجد حمزة غافلًا عن كلّ ما حولي، سمعتُ إقامة الصلاة فدخلت، هكذا بلا أيّ تفكير، إذ شعرتُ أنّ صوت المؤذّن خرج من داخلي لا من سمّاعات المسجد. توضأت بسرعة والتحقت بالصلاة.
يكون المرء أقرب ما يكون لله في السّجود، هكذا يقولون. حدث أنْ حفّز ذلك الوهم بالقرب ذاكرتي، وأخذتُ، في البرهة التي تفصلُ السّجود الأوّل عن الثّاني، تلك البرهة القصيرة، أستعيد ما مرّ في الأشهر الأربعة السابقة: موقف أبيها الرافض لإعلان سبب الموت الحقيقي واستبداله بالسقوط على رأسها؛ نعيُها في الجرائد؛ ثِقل جسدها بعد التغسيل؛ دعاء عمّها الباهت بتطهيرها من خطاياها كما يُطهّر الثّوب الأبيض من الدّنس بعد إهالة التراب عليها؛ تربيت النّاس على كتفي في العزاء والتأكيد أنّها في مكانٍ أفضلَ حتمًا؛ حضور يحيى إلى العزاء وجلوسنا صامتين طيلة الوقت؛ تجاهلي محاولاته اللاحقة للقائي؛ ذكريات استحالت صورًا على فيسبوك وتويتر؛ سعيي المحموم للوصول إلى تفسير ما لما حصل؛ استسلامي لاحقا؛ سليم الذي طلب منّي ونحن نلعب Call of duty أن أخبره سلفًا إن كنتُ أفكّر في الانتحار.
كما استعدتُ كلّ شيء دفعة واحدة، فقدته كذلك. كأنّ الحياة دهست على قدميّ، إذ لا أحد يتألّم من دهسِ القدمين. انتهت الصّلاة، فألقيتُ ظهري إلى زاوية في المسجد، وأخرجتُ الورقة من جيبي وأخذت أقرأ:
*قبل النّوم:
– عن الموت والحبّ – هاشم السيستاني
– فيرونيكا تقرّر أن تموت – باولو كويلو
– طعام صلاة حب – إليزابيث جيلبرت
*صباحًا فقط:
– عزاءات الفلسفة – آلان دو بوتون
– اللوح الأزرق – جلبيرت سينويه
– حرب القطّ الثانية – إبراهيم حرز الله
د. عبد الرحمن شاكر
أغلقتُ الورقة، أخرجتُ هاتفي، وطلبتُ برسالة أن أقابل يحيى.

الصّداقة؟
تذكّرتُكَ اليوم وأنا أقرأ مقالًا يستعيد إضراب النّقابات، والمظاهرات التي تلته. لا تُسئ فهمي، لا رابط مباشر بينك والإضراب والمظاهرات، لعلّها خيبة الأمل؟
حاولتُ الكتابة، حاولتُ كتابة رسالة طويلة لكنّني كنتُ أتوّقف دائمًا بعد السّطر الأوّل، ورغم الغضب لم أستطع التعبير إلّا عن شوقي لك. يحزنني أنّني مشتاقٌ لك، لكنّك تعرفني جيّدًا، إذ طالما شعرتُ بالعجز، وطالما أنكرتَ أنت ذلك. كنتَ تقول إنّني أنعَمُ من اللازم، إنّ الصلابة تُكتسب لا تُعطى، إنّ الحياة ليست تلك التي في رؤوسنا، وإنّ المشاعر المفرطة ضررٌ جانبيّ. كنتُ أخاف مجادلتك، وأكتفي بالكبت دواءً للغضب.
انقطاعنا المفاجئ شكّل فجوة في حياتي، فراغًا لم أستطع تفسيره. هل كان مللٌ، غيرةٌ، كراهيةٌ مكبوتةٌ، حاجةٌ لمن يفهمني –إذ أنت وحدك قادرٌ على فهمي الآن-، ما يجعلك حاضرًا الآن؟ كلّ هذه تفسيرات منطقيّة، لكنّ الصّمت وحده افترش الأرض بيننا. ستقول لي إنّني من تجاهلتُ مكالماتك ورسائلك، وسأقول لك أعرف.
دعني أخبركَ أنّك أحدُ الأمور القليلة التي أندم عليها في حياتي، لم أحبّ الشعر قبلَك، وكانت تلك إشارة كافية لأتجنّبك. كانت سارة تقول إنّنا نندم على ما نُحبّ، لكنّها مخطئة، أعرفُ تمامًا أنّني لا أحبّك، لكنّني أشتاق لك، صدّقني، هذا كلّ ما في الأمر.
التقينا في اليوم التّالي، طلبتُ أن نلتقي في مقهى ركوة عرب رغم نفوري منه، ولا أعرفُ سببًا لذلك. لم تنتظر السّلامَ قبل أن تشير إلى بغضك للمكان، فبالنّسبة لك هذا مكانٌ من الماضي. مجرّد صور تغطّي الحوائط، صور لمارسيل خليفة ومحمود درويش وريم بنّا. استرعت الأغنية الدائرة انتباهي بسرعةٍ فرحّبتُ بك. على عكس المتوقّع من مكانٍ كهذا، كانت الأغنية “عيد وحب” لكاظم السّاهر.
قلّبنا قائمة المشروبات دون أن نقول شيئًا، وما إن فعلنا حتّى قلتَ
– كيف حالك؟
– لحد فترة قريبة كنت كويّس، قصدي لسّاتني كويّس، بس هيك فجأة تلخبطت.
انقلبت الأغنية فجأة، لتبدأ أغنية “اكعد راحة” لكاظم الساهر أيضًا، أعرفُ هذا التسجيل جيّدًا، كنتُ مع سارة حين غنّاه في مهرجان جرش. سألتُك إن كنتَ تحبّ هذه الأغنية.
– الصراحة بحبها.
– ليش الصراحة، هي سرّ يعني!
– حسام دوّختني والله، إلي أشهر برن عليك، ولمّا تقابلنا جاي تحكي عن كاظم السّاهر؟ بشرفك يعني.
– بس أنا مش جاي أحكي عن الموضوع. ويمكن ما تصدّقني، كل اللي بدي أحكيلك إياه إني مشتاقلك.
(صمت).
– شو ما حتحكي إشي؟
– “عيوني روحي كبدي، لا تخلّيني أظرب على خدّي”
– زين تركتني.
– وإنت متفاجئ؟
لأ.
– ولا شو؟
– حسام بعدين معك، أوّل إشي كاظم السّاهر وهسّا جاي تحكيلي مشتاقلك. شو بتحاول تثبت؛ إنّك أحسن منّي؟ يا سيدي أنا زبالة، وانتَ أحسن واحد بالعالم، تمام هيك؟
أخبرتُك أنّني قبّلتُ دينا ذات اليوم الذي كنتَ فيه مع سارة. أظنّ أنّك لم تستوعب الأمر بسرعة، نظرتَ إليّ برعبٍ خالطه الأمل، لكنّك أدركتَ سريعًا أنّه أملٌ محكومٌ بالخيبة. أمّا أنا فامتلأتُ عاطفة تجاهك، انكسر قلبي يا يحيى، وقلتُ في محاولة للملمته:
– ما تزعل، أنا مش جاي أعاتبك، وعارف الأشياء ما حترجع زي الأوّل، ويمكن الصّحّ إنها ما ترجع. كلّ اللي بفكّر فيّه إنّه كس أخت الصح، مش أكثر.
نظرتَ لي بتفهّم، وكرّرتَ من ورائي كس أخت الصح. أحيانًا، تتكشّف لك حقائق عن نفسك لم تكن على معرفة بها قبل لحظات. تَفَهُّمك مثلًا، لم أعلم أنّه سيثير سخطي، لكنّه فعل، فعلا صوتي، أرجو ألّا تغضب.
– يعني هذا المكان اللي إحنا فيّه صحّ؟ اللويبدة كلها صح؟ سارة تموت صح؟ احكيلي… ليش ساكت.
– طيب خلص طوّل بالك.
– ما بدّي أطوّل بالي.
– طيب شو بدّك؟
– بدّي تحكيلي إنّك مشتاقلي وبس.
– مشتاقلك، والله مشتاقلك.
افترقنا أمام المقهى على وعدٍ بلقاءٍ آخر، ذهبتَ أنتَ باتّجاه دوّار باريس، وأكملتُ مشيًا إلى آخر شارع كلّيّة الشريعة وسعادة خجولة تحوم حول رأسي، التفتّ ُيسارًا، ولمّا صرتُ بمحاذاة مدرسة كلية تراسنطة، لمعت في عقلي فكرة واحدة، وأحزنني أنّني لم أُطلعك عليها قبل أن نغادر: الحزن يا يحيى غير أصيل، وحده الفرح كذلك، وأنا أريد أن أفرح.
أخرجتُ هاتفي، واتّصلتُ بدينا. 

٣) هل تُطيقُ وداعًا أيّها الرّجلُ)
جلستُ على السرير وأشعلتُ سيجارة بذهنٍ خالٍ. نظرتُ إليها مرّة أخرى، وأخذت عيناي تتتبّعان الحبل المعقود بماسورة نافرة تخترق السقف عرضًا. أطلتُ النظر في الماسورة متسائلًا عن سبب غفلتي عنها سابقا، ذلك حين انتبهتُ فجأة لارتفاع السّقف. قمتُ من مكاني وأمسكتُ الكرسيّ الذي استخدمَتْه سارة لأختبر ارتفاعه. طولي 169 سنتيمترًا، وبعد وقوفي على الكرسيّ ظلّ يفصلني ذراعٌ عن السّقف (هل أغفلتُ ذكرَ أنّ سارة أقصر منّي بأربعة سنتيمترات؟). نزلتُ إلى الأرض وعاينتُ جسدها عن قرب. لاحظتُ ازرقاقا في كلتا القدمين الحافيتين، لكنّني لم أستطع من مكاني رؤية عينيها إذ مال وجهها للأعلى. عدتُ ووقفت على الكرسيّ وأمسكتُ وجهها بيديّ، تهدّل الجفنان قليلًا دون أن تنغلق عيناها. نظرتُ فيهما مرتجفًا لكنّني تماسكتُ إذ لا طائل من الانهيار في حضرة الموت!
الواقعُ أقلّ شعريّة ممّا نتخيّل، تنسحب فيه المشاعر تاركة المجال لبلادةٍ لا قبل لنا بها. يختفي الإحساسُ ولا يتبقّى لنا سوى صمت مُفجع، وأفكار غير ذات صلة لا مجال لطردها إلّا لتعاود الظّهور. قمتُ دون أي منطق، ووجهها لمّا يزل بين يديّ، بأداء التّحيّة العسكريّة لها. حينها رمشت عيناي وانتبهتُ إلى موضع وقوفي. مرَّرتُ يدي على بشرتها التي ما زالت ناعمة: كما في الحياة كذلك في الموت. ذلك الوعي بالاستمرار، بعدم الاختلاف، سارعَ دقّات قلبي، فوددتُ حينها، لغرابة في عقلي، أن تتوحّد عينانا، أن يلمس بؤباي بؤبيها، فاقتربتُ منها أكثر فأكثر فأكثر، ولمّا تلامسنا سكت العالم بأكمله، للحظة بسيطة، لثوانٍ كأنّها الدّهر، وقعتُ بعدها أرضًا وأخذ جسدها يترنّح بشدّة حتّى سقطتْ، وفي جيدها حبلٌ من مسدٍ، بجانبي.
لو أردتُ تلخيص مشاعري، وهذا ما استطعتُ ترجمته إلى كلماتٍ في وقتٍ لاحق، لقلت إنّني أردتُ أن أقتلها ثانية، لكنّ عينيها العسليتين، عينيها الجميلتين منعتاني.

(٢)
وصلتُ بيت حسام عليمات السّاعة الحادية عشرة والنّصف من يوم إثنين. اتّفقنا أن نلتقي منتصف النّهار، لكنّني استيقظتُ باكرًا، فخرجتُ لأتمشّى، لكنّ تزايد الحرّ مع تقدّم الوقت لم يترك لي سوى العودة إلى البيت أو المغامرة بتبكير الميعاد، ولحسن الحظ فتح لي الباب بسرعة. ورغم أنّني لم أرَ أباه إلّا في صورٍ له على الإنترنت، ذهلتُ لِشَدّة شبهه به. رحّب بي بابتسامة عريضة، وأرشدني للشّرفة. لاحظتُ أنّ البيت مرتّبٌ على عكس الانطباع السائد عن الذكور. مررتُ، في طريقي إلى الشّرفة، بالصّالة الفسيحة: بضع لوحاتٍ تجريديّة، تلفاز كبير، وكنبٌ أصفر فاقع. أمّا الشّرفة فقد كانت مليئة بأصص الورد، التي أضفت صفاءً مُنعشًا على الهواء. نظرتُ لأسفل، كانت الحارة هادئة، إذ بدا أنّ جميع النّاس في أشغالهم.
لا أعرفُ حسام، بل أباه نديم عليمات. قرأت مجموعته القصصيّة الأخيرة بعد فوزها بجائزة الملتقى للقصّة القصيرة. سبق أن قرأتُ مجموعتين التي فازت بالجائزة من قبل: سرير بنت الملك لشهلا العجيلي، والطّلبية C365 لشيخة حليوى ولم أتحمّس لقراءة جديد الجائزة أكثر. فوز نديم عليمات دفعني لأبحث عن سيرته الذّاتيّة، فاندهشتُ من كونه رجلَ أمنٍ سابق. دبّ الحماسُ فيّ، وأردتُ إنجاز مادّة عنه، لكنّ حماسي فتر تمامًا كما اشتدّ، ليصلني إيميل من أحد المواقع يطلب إجراء مقابلة معه.
جهّزتُ الأسئلة وعزمتُ على التّواصل معه، ذلك قبل أن يدبّ عراكٌ إلكترونيّ ولّد عددًا مهولًا من المنشورات، لحقتها مقالاتٌ تتحدّث عن واحدة من القصص التي يكشف فيها نديم عليمات أسرار ابنه. سيلٌ جارف من الأخذ والرّدّ في أخلاقيّة الفعل. وكما كلّ شيء على الإنترنت، يتشكّل معسكران يفتح كلٌّ منهما النّار على الآخر، يصل نهايته حين يبدأ جدل جديد لا علاقة بالواقعة الأساس: الصّوابيّة السياسية، العنف الرّمزي، الذكورية… إلخ.
نفرتُ من المقابلة، ووجدتني دون تفكير أكتب رسالة للمحرّر بأنّني أفضّل محاورة ابنه بدلًا منه. فردّ بسرعة موافقًا على الاقتراح. بعدَ بحثٍ سريع، توصّلت لإيميله الشخصي، ورتّبتُ معه اللقاء. حسام يعملُ أستاذًا للأدب العربيّ في الجامعة الأردنيّة، لا يُدرّسُ الفصلَ الصّيفيّ، ويقضي معظم وقته في بيته كما أخبرني. يُعيد قراءة أبي حيّان التّوحيديّ هذه الفترة “هل سبق وقرأتِ له؟ التوحيدي كان يكتب عن جميع من حوله، وبقسوة مدهشة أحيانًا، لعلّه مدخلٌ مناسب لفهم أبي”. لم أردّ، اكتفيتُ بالانزعاج من تعليقه، إذ شعرتُ بنبرةِ تعالٍ فيه.
توتّرتُ قليلًا حيث ظلّ يحوم في المكان دون أن يستقرّ لنبدأ. أخيرًا سألني إن كنتُ أريد شربَ شيء، فطلبتُ قهوة. أعدّ كوبين، وجلس لنشرع في الحوار، بعد طول انتظار.
سارة: سأبدأ بالسؤال عن معنى الدّفن لديك، كيف تفكّر فيه إذا ما ذُكر أمامك؟
حسام: دعيني أخبرك شيئًا. لا أملكُ أفكارًا عن الحياة، على الإطلاق. كلّ أفكاري تمرّ عبر استعارات واسترجاعات لا دخلَ لي بها.
سارة: وماذا عن الدّفن حقيقةً؟
حسام: ثمّة واقعتا دفنٍ في حياتي. جدّتي لأبي، وسارة. توفّيت جدّتي قبل سارة، وشاركتُ بدفنها بيديّ. لم أشعر بشيء على الإطلاق، كان أشبه بيومٍ عاديّ، إذا استثنينا الموتَ من المعادلة بالطّبع. لكن، بعد فترة طويلة، انهرتُ تمامًا. حينها كنتُ أقرأ رواية كناوسغارد “كفاحي”، وواجهتني جملة لا أذكرها تمامًا، لكنّها –فيما معناه- تتساءل لمَ ندفن الجثث بسرعة، ولمَ لا تظلّ مكشوفة كي يراها النّاس ساعة إضافيّة؟
قرأتها في الفترة التي تلت موت جدّتي، في ذلك الوقت كنتُ على وشك الطّلاق من سارة، فرميتُ الكتاب ولم أعد له إلّا بعد وقتٍ طويل.
سارة: كُنتما على وشك الطّلاق؟
حسام: هذا صحيح.
سارة: ماذا تقصد بالانهيار؟ وأخبرني أيضًا عن موتِ سارة.
حسام: في الحقيقة، الانهيار حدثَ لاحقًا. لم يمضِ وقتٌ طويل حتّى ماتت سارة. فلم أحضر دفنها، هكذا ببساطة.
الجثّة التي يريد لها كناوسغارد أن تظلّ مكشوفة لا تعود جثّة. لعلّ مُراده يمكن أن يتحقّق في فيلم، أو رواية، لكن يستحيل ذلك في الواقع. الجثّة تعني صراخًا وعويلًا، خوفًا عاريًا يناظر في عينيك. ثمّ هناك الجسد. لا نلقي نحنُ الأحياء بالًا لأجسادنا. نحن نهتمُّ بها، نمارس الرياضة ونضع الزينة على أوجهنا، لكن ليس هذا ما رميتُ إليه. ما أقصده، أنّ الجسد لا يشكّل سؤالًا، فهو أمرٌ مفروغٌ منه، شيء بدهي. لكنّ تلك البداهة، لا تختفي فجأة بمجرّد الموت، إنّها تفقد الفعاليّة فحسب، تصبح منديلًا ملطّخًا بالخراء، مصيره القمامة. هل تفهمين علي؟
سارة: والسّعادة؟
حسام: هي نقيض الصورة التي رسمها لي أبي. في الحقيقة أنا أكثر سعادة في حياتي من تلك الصورة الشّاحبة. حتّى بعد وفاة سارة، أحاول قدر الإمكان ألّا أتمسّك بالحزن، فالحزن شعورٌ لا قرار له، يلغي كلّ شيء آخر سوى الذّات. الشخص الحزين معجبٌ بنفسه، وأنا لستُ كذلك.
سارة: أخبرني عن أبيك.
حسام: كان مدير الأمن السابق في سيتي مول، تقاعد منذ خمس سنوات، ثمّ بدأ الكتابة. له ثلاث مجاميع قصصيّة، آخرها جاءت بعنوان “الطّريق إلى تحت”.
سارة: أعرف هذه الأشياء، قصدتُ علاقتك به.
حسام: ثمّة شبهٌ كبير بيني وبينه. أحيانًا يخيفني الأمر: الشكل في هذه المرحلة من العمر، الصوت، الطول والوزن، بل أكثر من هذا: لقد بدأنا التدخين في عمرٍ واحد، ورثتُ منه مشاكل القولون والمعدة ومقاس القدم.
سارة: لمَ يخيفك الشّبه؟
حسام: لأنّه أفضلُ منّي، بكثير.
سارة: لو طلبتُ منك استذكار موقفٍ واحدٍ معه، ماذا سيكون؟
حسام: موقفًا واحدًا فقط؟
سارة: تمامًا.
حسام: كنتُ صغيرًا حين تزوّجت، صغيرًا إلى حدٍّ لم أردْ معه أن يذكّرني أحدٌ بتلك الحقيقة. أردتُ أن يوافقني الآخرون، ومثل أيّ ولدٍ، الآخرون كانوا أبي، جميعهم كانوا أبي. لم أتوقّع معارضته القرار. توقّعتُ ذلك من أمّي، من أصدقائي حتّى، لكن ليس أبي بأيّ حال. نحنُ لا نتحدّث كثيرًا على الهاتف، ولا نتبادلُ رسائل حتّى. لذا، حين اتّصلتُ به، شعرَ بالخطر، وسألني إن حدث لي مكروه، فأجبتهُ بمرحٍ أنّ ما حدث هو النقيض، فلم يشأ أن يسمع، فقط طلب منّي أن أحضر إلى موقع عمله. ولمّا وصلت، ودون أن أنبس بكلمة، قال: لا. فقطّبتُ بين حاجبيّ، قال: ما زلتَ صغيرًا. أردتُ أن أسأله كيف عرف مرادي، لكنّه باغتني. لم أعرف ما التّصرّف الصّحيح، فلذتُ بالصّمت وغادرت.
لم نتحدّث لفترة طويلة بعدها، حتّى زفافنا فقد حضره مجلّلًا بصمتٍ مخيف.
سارة: بعد تلك الواقعة، كيف تلقّيتَ كتابته عنكما بوصفكما زوجين؟
حسام: لا أظن أنّني كرهته، رغم كتابته عن حياتي، فهذا لا يزعجني. ما يزعجني أنّه أراد كتابة تقول الحقيقة عارية كما هي، لكنّه فشل.
سارة: فشل؟
حسام: عزيزتي، لا جسارة في القول إنّ فلانة انتحرت، هذا أدب لا نعي في جريدة. لا يكفي أن تشير إلى الأحداث، كنتُ سأحترمه أكثر لو أدان ما قامت به زوجتي.
سارة: ألا ترى، تحديدًا لأنّنا نتحدّث عن الأدب، أنّه ليس المكان المثاليّ للإدانة؟
حسام: بل على العكس. في عالم اليوم ثمّة قائمة طويلة من المحرّمات: المثليّين، العابرين جنسيًّا، النّساء، اللاجئين، المسلمين في الغرب، والقائمة تطول. الحديث عن الموتى واحدٌ من هذه المحرّمات، فجأة يصير الميّتُ ملاكًا. أأحببتُ أحدًا أم لم أحبّه لا يهمّ، فلن يصير ملاكًا في عينيّ بمجرّد موته. وأعتقد أنّ هذا أكثر أخلاقيّة ممّا حاول أبي فعله. أحدُ مقوّمات وجودنا، بوصفنا بشرًا، هو الخطأ، الخطأ عن وعي.
سارة: وكيف يكون الخطأ عن غير وعيٍ؟
حسام: مسرحيّة أوديب مثال جيّد على ذلك. إنّه، على النّقيض من إلكترا، ارتكب خطأ دون وعيٍ منه، خطؤه أنّه لم يتعرّف على أبيه وأمّه الحقيقيّين، أي إنّ وجوده بحدّ ذاته هو الخطأ، تقريبًا كما الأنبياء. إلكترا بدورها، لم تكن حياتها لتتوازن دون أن تقتل أمّها، لذا جرمها يقرّبها منّا أكثر.
سارة: وماذا عن أبيك، هل تدينه؟
حسام: لا أدينه بهذا المعنى، بل لا أرى علاقة سببيّة هنا، الفعل لا يساوي الفاعل عندي. وكلّما كان الفعل قبيحًا أو أكثر إهانة، شعرتُ أكثر بالمسؤوليّة تجاه مرتكبه.
سارة: أودّ أن أعود للقصّة. من الواضح أنّك قرأتها، هل كنتَ تعرفُ أنّها تتحدّث عنك؟
حسام: لا
سارة: لم أكملتَها إذًا؟
حسام: المهانة. المهانة ولّدت غضبًا، حتّى بات الأمر أشبه بأن ترى نفسك بالمرآة لحظة استيقاظك، لكن هذه المرّة، بدلًا من مرآة واحدة، تنعكس الصورة عبر مرآتين. خلقت قراءة القصّة لديّ كراهية ثقيلة لذاتي. 
سارة: لكنّك قلتَ للتّو إنّك لم تنزعج من كتابته عنك!
حسام: كنتُ أقصد الانطباع الأوّل، إذ انزعجتُ بالتّأكيد. لكنّ الانزعاج شعورٌ متهافت، لا يدوم طويلًا.
سارة: ما الّذي تبقى إذًا؟
حسام: إحساسٌ ثقيل بالانتهاك، تمامًا كما أيّ اثنين يحبّان بعضهما.
سارة: وهل مثّلت زوجتك انتهاكًا أيضًا؟
حسام: بالطّبع، لكنّ الأمر مقلوبٌ في هذه الحالة. في اللحظة التي تقول فيها “أحبّك” أنت تتنازل عن حرّيتك، تطلبُ من الآخر انتهاكك بمحض إرادتك.
سارة: ما دام الأمرُ كذلك، لم أقدمتَ عليه؟
حسام: لأنّني لا أحبّ الحرّيّة.
سارة: ما الّذي قصدته حين قلتَ إنّك تشعر بالمسؤوليّة تجاه أبيك؟
حسام: لا أريد الحديث في هذا الموضوع أكثر.
سارة: لكنّني أريد أن أعرف.
حسام: هل تمانعين لو دحّنت؟ (يشعلُ سيجارة قبل أن تردّ، يصمتُ مفكّرًا، ثمّ يجيب) المسؤوليّة نقيض الإحساس بأنّك ضحيّة. أن تكون ضحيّة يعني أن تنظر لنفسك، قبل أن يفعل الآخرون، بشفقة. أبي يملك وجهًا جميلًا، لا أستطيع أن أغضب منه طويلًا.
سارة: وهل التقيته بعد قراءتك للقصّة؟
حسام: نعم.
سارة: وكيف كان اللّقاء؟
حسام: كان لقاءً صامتًا معظم الوقت. دخّنّا كثيرًا.
سارة: لم يختلف شيء؟
حسام: لم يختلف شيء.
سارة: أجدُ هذا عصيًّا على التّصديق.
حسام: أنتِ حرّة فيما تعتقدين.
سارة: أودّ ان أسألك عن حجم الحقيقي فيما كتب؟
حسام: هناك العديد من الإجابات لسؤالك. الاختلاف البارز بين فرويد ودولوز، أنّ الأوّل يُعيد كلّ شيءٍ للطّفولة، والثّاني ببساطة شديدة يعتقد أنّ الإنسان يهجس بأشياء أكثر من الطفولة. هذه المقاربة ستظلّ حاضرة إذ لا شيءَ سيغيّر من حقيقة أنّني ابنه، والبنوّة تعني بشكلٍ ما طفولة دائمة. إذًا، هل تخصّني تلك الحياة الموصوفة؟ في العموم، الإجابة نعم. درستُ الهندسة الكهربائيّة ثمّ تركتها، لكنّني درستُ الأدب العربي لا علم الحاسوب كما ذكر. تزوّجتُ فتاة تُدعى سارة، كاتبة أنهت حياتها بيدها، ولي صديق اسمه يحيى واظب على كتابة الشّعر فترة من حياته. كلّ هذا صحيح، لكن هل هذه هي الحقيقة؟ لا أعرف.
باختصار، أحبّ التّفكير بأنّني لستُ مُجرّد ابن، وأنّ طفولتي لا تُحدّد مسارَ حياتي. لكن لعلّي لستُ أكثر من ذلك الولد في القصّة، من يدري؟
سارة: الكتابة، التّدخين، المدينة، ألم تعد هذه موضوعات مستهلكة؟
حسام: بإمكانك أن تسألي أبي.
سارة: لكنّني أسألكُ أنت.
حسام: زوجتي كانت تكتبُ حقًّا، وكانت تدخّن، وتكثر من الحديث عن عمّان. أعرف أنّ سؤالك في مكانٍ آخر، لكن هذه هي الحقيقة. لعلّك تفكّرين أنّ الأدب غير معنيٍّ بالحقيقة، لكن مجدّدًا هذا سؤال يخصّه هو، ولا أفهمُ لم توجّهينه لي.
سارة: دعنا نتحدّث عن صديقك يحيى، هل كنتَ تحفظ شعره حقًّا؟
حسام: في الحقيقة لا. إذا كُنتِ تسألين من أين لأبي أن يستذكر قصائده، فالقليل منها  لم يحذفه وما زالت موجودة على الإنترنت. من السّهل الوصول لها.
سارة: وهل أحببت قصائده كما تقول القصّة؟
حسام: لم أتعامل مع قصائده أبدًا على أنّها قصائد، بل تعاملتُ معها على أنّها تمثيلٌ لصداقتي به. في بداية تعارفنا، سُحرتُ به، فسُحرتُ بقصائده تباعًا. كان جسده ضخمًا لفتى في الثامنة عشر، يحفظ الكثير من الشعر وله ابتسامة ساحرة. أضيفي إلى ذلك أنّه من الزّرقاء، المدينة التي يُسقطها الأردنيّون من حساباتهم. كيف يمكن ألّا تُحبّ شخصًا بهذه المواضفات؟
 أرسطو يقول إنّ الصّديق آخر هو أنت، وكذلك الشعر الذي كتبه يحيى، آخر هو يحيى.
سارة: والآن؟
حسام: كنتُ أغارُ منه في البداية، ولعلّي ما زلت. أقول هذا لأشير إلى أنّني حاولتُ التقليل من قصائده كثيرًا، متذرّعًا بالمزاح. لكنّني أحبّه طبعًا.
سارة: رغم خيانته لك؟
حسام: لم أقل إنّ هذا الجزء من القصّة حصل فعلًا.
سارة: وهل حصل؟
حسام: (ينظر بعيدًا، ينقر بأصابعه على حافّة الشّرفة بتوتّر آخذًا نفسًا من السّيجارة) لا لم يحصل.
سارة: إذن ما الذي حصل؟
حسام: سأكون معكِ صريحًا، هذه النّوعيّة من الأسئلة تزعجني.
سارة: لا بأس سأنتقل لنقطة أخرى، هل كنتَ تعرف أنّ زوجتك تزور طبيبًا نفسيًّا؟
حسام: كانت بحاجة إلى مساحة شخصيّة كبيرة، أكبر ممّا يحتمله أيّ زواج. لم تقل ذلك صراحة، فهمتُ ذلك وحدي. اعتدتُ أن أبتعدَ كثيرًا، حتّى بات الاقتراب مقرونًا بالاستئذان. بمعنى ما، حتّى موتُها كان شأنًا شخصيًّا. وحين انتبهتُ لذلك، كان الأوان قد فات. لذا، عودةً إلى سؤالك، كان لديّ شكّ، شكّ كبيرٌ في الحقيقة، إلّا أنّني حرصتُ ألّا أسأل ما لم تخبرني طوعًا. ومع الوقت، تشكّلتْ لديّ بلادة مردُّها الصّمت، الصّمت يخلق وهمًا بأنّ كلّ شيء على ما يرام، لكنّ شيئًا لم يكن على ما يرام، كما ترين.
أنا فقط لا أفهمُ لماذا فعلتْ ذلك. كيف لشخصٍ مهووس بالتّحكّم بتفاصيل حياته أن يفقد السيطرة عليها تمامًا؟
سارة: وأين ذهب كلامك عن عدم مساواة الفعل للفاعل عندك؟ يعني أنت تتوقّف عن التساؤل حين يصل الأمر لأبيك، لكن ها أنتَ تنبشُ في ماضيها.
حسام: من قال لكِ إنّني توقّفتُ عن النّبش؟ عشتُ فترةً طويلة متوهّمًا أنّني أحاول أن فهمها، لكنّ ذلك محض وهم. لم أبحث أبدًا عن إجاباتٍ لأقترب منها، فقرارها لا يمكن استعادته أو تغييره، كنتُ على الدّوام أبحث من أجلي (يُطفئ سيجارته، ويحدّق في الشّارع واجمًا).
ثمّ عفوًا، ما علاقة أبي ببحثي عن إجابة لما حصل؟
سارة: لقد كانت مجرّد ملاحظة.
حسام: مجرّد ملاحظة (يهزّ رأسه).
سارة: هل كانت حياتها قاسية لتقدم على ما أقدمت عليه؟
حسام: لا أعرف، من لديه إجابة على هذا السؤال أصلًا؟
سارة: أنت على سبيل المثال، فقد كنتَ الأقرب لها.
حسام: هل تعرفين ماذا قالت السيدة عائشة بعد وفاة الرّسول؟ “ما مات إلّا بين سحري ونحري”. كانت أقربَ النّاس إليه، حدّ أنّه فضّل الموت في حجرها. رغم ذلك، وفي تلك اللحظة تحديدًا كان في مكانٍ آخر. حتّى جملتها تلك تبدو في غاية الغرابة، لمَ تؤكّد على شيء بهذا الوضوح؟ نعزّي أنفسنا بالقرب، لكن عزيزتي لا أحدَ هنا، لا أنتِ ولا أنا، لا أبي ولا سارة، لا أحدَ على الإطلاق، على الإطلاق.

*كُتبت هذه القصّة بدعم من مكتبة عمّان الصُّغرى / مؤسّسة محمّد وماهرة أبو غزالة ضمن برنامج “إقامة الكتابة (في مساكنهم)” وبإشراف القيّمة الفنّيّة سارة رفقي.

Houellebecq, Michel. Translated by Whiteside, Shaun. Macmillan Publishers. P.69.

في الأصل:

“When I had finished summing up my recent life to him, he agreed, in fact, that I genuinely needed a course of treatment, and asked me if I had had thoughts of suicide. No, I replied, death doesn’t interest me”.

فارس، عمر. من قصيدة: أحاديث.

فارس، عمر. من قصيدة: من فلورنتينو أريثا إلى فيرمينا داثا.