علي لطيف: حمرا

Sohrab Hura (schizophrenic mother with her dog), India, 2008. Source: newyorker.com

أنا من أصول يونانية، هذا على الأقل ما قالته لي ماما. ماما لا تعرف من هو والدى. أول مرة قالت لي أنه مات بإحدى المعارك الأهلية قبل ولادتي، ثم تراجعت عن هذه الرواية قبل أسابيع من موتها، وأخبرتني أن والدى هو قطيع ذئاب. أجل، هذا ما قالته. مجنونة، صح؟
في آخر أيامها كانت كذلك. انزلقت في الليمبو. كانت تجلس على الشرفة بشقتنا المطلة على ساحة كوردوزيو لساعات، وتحدق في الناس. تصرخ أحياناً وتشتم المارين والطيور القبيحة، وفي مرات تركض عارية للشارع وراء البوليس صارخةً: سالفامي! سالفامي!
كانت تبدو فزعة كأن الشيطان بلحمه يلاحقها.
لم أستطع الاعتناء بها كما يجب على ابنة العائلة، ولم أملك المال الكافي لاستخدام ممرضة تسهر على رعايتها، كان عليّ أن أعمل طوال الوقت، ثلاثة حصص يومياً، ما عدا السبت. عليكِ أن تفهمِ أنه لم يكن لدي خيار.
لم تعد تأتي فتيات كثيرات لتعلم الرقص الشرقي منذ أعوام. بالسابق في كل حصة كنت أملك عشرين إلى ثلاثين فتاة، والآن أنا محظوظة إن وصلت إلى عشرة. تدبرت الأمر مع إدارة النادي على كل حال، فبدل جمع كل الفتيات في حصة واحدة،  قسمناهم إلى ثلاثة مجموعات في ثلاثة حصص بالأسبوع، أردنا بذلك إظهار  حصة الرقص الشرقي كأن عليها الطلب، بضاعة مرغوبة في السوق –  طبعاً بجانب منح المتدربات ثلاثة أوقات لتخترن بينهم. لقد دخلنا إلى مهنة البروباغندا من ثقب الفقر.
كنت راقصة مشهورة في المدينة ذات يوم ولم أفكر في حياتي بالتدريب، كانوا يطلبونني في الحفلات الخاصة، أدخل القصر أو السفارة قبل الحفل بساعة وأجد المسرح الصغير جاهزاً. اُعد نفسي وأتدرب قليلاً على وصلتي ثم عند بداية الحفل أرقص كأن العالم يتداعى حولي. يحبونني دائماً، ويهتفون باسمي، ويرمون عليّ النقود، دولار، يورو، وأحياناً أوقية ذكرية وصدريات، لكن لا يحرك ذلك فيّ شعرة، أنا لا تهينني هذه التفاهات. في تلك الحفلات يمكنني أكل وشرب ما أريد، والطعام لذيذ غالباً. في الليلة الجيدة أتحصل على قرابة الألفي يورو (الوصلة والبقشيش) وزجاجة شامبانيا أو نبيذ وصحن من الطعام وآخر من الكافيار إذا وُجد.
لم أكن مثل الراقصات الشرقيات الآخريات في ميلانو، هن متعريات ومومسات أكثر من كونهن راقصات، لم يعرفن الفرق بين الرقص الشرقي والتعري: ٣٠٠ يورو كافية لجعلهن ينزعن كل شيء و٣٠٠ آخرى تجعلهن… تعرفين ماذا أقصد.
ذات يوم دعوني لإحياء سهرة في سفارة بلدي الأم، بالطبع لم يعرفوا أنني منهم. اسمي الفني هو فيفيانا -فيفي- حمرا، أما اسمى الحقيقي فهو مثل اسم ماما بالضبط. كل أوراقي الرسمية في إيطاليا باسمي الفني، ماعدا جواز  سفري فهو باسمي الحقيقي. لم نطالب في أية مرة بجنسيتي الأم، ولم تتحدث ماما أبداً عن ذلك. لم يكن لدينا أصدقاء من بلدنا، ولم ألتق في حياتي إلا بشخص واحد من هناك. نحن لا نتكلم العربية إلا بالمنزل وفي مرات نادرة مع أصدقائنا العرب القلائل. لكنها جعلتني أقرأ كتاب عربي كل أسبوع، أنا لا أعرف ما يرون في نجيب محفوظ بالضبط. لابد أنني قرأت قرابة نصف ألف كتاب ما بين الثانية عشر من عمري إلى الثامنة عشر. ولأقول لكِ شيء: أنا لا أريد قراءة أي كتاب عربي مجدداً، أياً كان.
أتذكر أن ماما كادت تموت عندما أخبرتها أنني كنت في سفارة بلدنا ليلة البارحة. أنا لا أريدك أن تقتربي منهم، قالت لي، إنهم قتلة.
لم أرد في حياتي إيجاد والدى، لست بحاجة إليه، لكن الفضول جعلني أفكر فيه. كانت ليلة عادية في السفارة. لم يحدث شيء مختلف عن العروض الآخرى. رقصت فوق المسرح الصغير، وارتديت زييِّ:  صدرية حمراء وتنورة حمراء مزينة بأساور ذهبية تتدلى من حزام الخصر – لقد رأيتِه في السابق-  ورقصت ساعة مثل العادة، كأن العالم يتداعى حولي. لم أختلط بهم برغم عرض الزواج الذي قدمه لي أحدهم، كان ثملاً، المسكين لم يقصد ذلك.
لم تخبرني ماما عن سبب رحيلها، لكنها عاشت حياة صعبة هنا بالبداية، على الأقل هذا ما تقوله لي العمة فرانشيسكا – الله يرحمها – صديقتها منذ ثلاثين عاماً. تقول إن ماما هي أجمل فتاة رأتها طوال حياتها، كانت المهاجرة الوحيدة في مخيم انجيلي نيغري التي تأسر العينيّن عندما تقع عليها. كانت أمك مثل النور الأبيض بين كل ذلك الجلد الأسود، قالت لي.
عاشت ماما بالمخيم في تراباني لأسابيع قبل أن تقابل العمة فراني التي كانت تعمل في بعثة الصليب الأحمر في صقلية. بفضلها تمكنت ماما من مغادرة المخيم وتحصلت على عمل في باليرمو، ممكن في مطعم أو اوتيل، لست متأكدة.
أمك مثل مريم العذراء، وأنتِ ابنة السماء. كانت تقول العمة فراني. أنا أحفظ هذه القصة عن ظهر قلب، كانت ترددها دائماً عندما تزورنا في طفولتي:
ظللت في المكتب لوقت متأخر تلك الليلة، كانت أمك قد بدأت تعيش معي منذ قرابة الأربعة أشهر، تتطوع بالمخيم من الصباح للثالثة ظهراً ثم تذهب لمدرسة اللغة وتعود للشقة مع السادسة وتبقى فيها لليوم التالي. كنا نخرج سوياً في العطلات ونلتقي بأصدقائي. أنا لم ألاحظ أنها حامل، كانت ترتدي الملابس الواسعة دائماً، أو ربما لم أفكر بذلك البتة. كانت قد جائت إلى إيطاليا منذ سبعة أشهر في ليلة الاثنين الثامن عشر من مايو ، أنا أحفظ هذا التاريخ جيداً لأنه عيد ميلاد زوجي الراحل. عندما وصلت الشقة سمعت صوت غناء من وراء باب غرفتها، كان هناك ضوء أبيض يعبر  من تحت الباب، ناديتها مرة ومرتين، لم ترد. طرقت، لم تفتح (اعتقدت للحظة أنها ستفعل بي ما فعلته تلك المهاجرة في عائلة صديقي جورجي) فقررت فتح الباب والدخول. عندها رأيتك بين يدي أمك المتكورة على الأرض، كان أجمل مشهد رأيته في حياتي. كنتما ملطختيّن بسائل المشيمة والعرق والدماء، كانت أمك تغني، بل تهمهم لحناً كنائسياً تحت ضوء القمر العابر خلال النافذة المفتوحة. كنتما مثل بحيرة مشعة صغيرة تتوسطها الزنابق البيضاء على قمة جبل. ماذا ستسمينها؟ سألتها وتكوّرت بجانبكما. اسمها سيكون على اسمي، قالت أمك وابتسمت، ابتسمتِ أيضاً.
أنتِ ابتسمتِ أيضاً يا فرانشيسكا، كانت تقول ماما وتضحك.

فهمت بالنهاية لماذا هربت ماما. أنا لست غبية، الراقصات نبيهات ويستطعن ملاحظة ما لا يمكن ملاحظته. ماما هربت لأنهم اغتصبوها. هذا ما حدث، بلا لف ودوران. والنتيجة هي أنا، راقصة.
لأكون صادقة معك، لقد وجدت مذكراتها بعد موتها. لقد اغتصبتني الذئاب، كتبت بالخط العريض وحكت قصتها المجنونة. عندها أدركت ذاتي، أنا راقصة شرقية لقيطة. وفهمت عندها لماذا لم تقترب ماما من الرجال طوال فترة عيشها هنا – رغم محاولاتهم العنيدة – ولماذا لم تأت لمشاهدة إحدى عروضي رغم إصراري: أنا عار عليها.
اضحك ويضحك العالم معك، ابك فتبك لوحدك، تقول شاعرتي إيلا. النساء يكتبن قصائد جيدة، أفضل بكثير من الرجال. نحن نفهم الهوى المختلف عن النشوة. كيف اغتصبتها الذئاب؟ أنا لا أفهم، ربما نحن النساء لا نفهم الرعب. الرجال أيضاً في واقع الأمر (لكنهم يتظاهرون أنهم يعرفون كل شيء.)
لقد كتبت حادثة الاغتصاب في بداية مذكراتها، قبل جنونها، ولقد ظلت تكتب حتى بعد رحيل عقلها.
أنا زمردة سمكية فوق قلب طفل / أنبض مثل جثة ينسل منها آخر نفس.
هذه العبارة الوحيدة التي أتذكرها الآن. عندما ستقرئين بلاث في يوم – وأنا متأكدة أنها ستمر بك – سترين أوجه التشابه بين كتاباتها ومذكرات ماما. كل ما ظلت تكتبه بعد جنونها على هذه الشاكلة، عبارات بلاثية، كلمات غير مفهومة وغير موزونة، كيان قوطي مدفون في سائل المشيمة، تعرفين، أشياء يقولها مجانين فقط، بمعاني تفوق ادراكنا.
تلك الليلة معه كانت بلا معنى. يا الله، سامحني، أنا أتحدث عن والدك. لم أنم في تلك الآونة إلا مع رجل واحد، يسمى نفسه: الحيوان الليلي. عندما أفكر في الأمر الآن، أجده يشبه قصائد ماما، كأنه تجل لتجمع غريب من كلماتها المجنونة. كانت حياتي بعد موتها بلا معنى، شعرت بوحدة تحشرني في كابوس مدان على المقصلة. كنت أشرب مثل نجمة روك، وأحاول الهرب من ضميري، لكننى وجدت الله عندما حملتك بين يدي، إنه أجمل شيء غير منطقي يمكن أن يوجد.
التقيت به في حفلة لفرقة طبول أفريقية، اسمهم طبول الموت. أمسكني من يدى وسط الجمهور وجذبني نحوه وقال لي: Pape Angelo, pape Angelo, aleppe! لم أفهمه وكدت أصفعه، لكنني تمالكت نفسي ودفعته. بعد الحفلة وجدته أمام الباب، أنا آسف، قال لي، لم أقصد إزعاجك، لكنني أحبك، بحق يسوع. كنت ثملة، ولا أتذكر ما حدث تلك الليلة بالضبط. الأمر الوحيد المتأكدة منه أنني لم أصادف بحياتي شغفاً مثل الذي يملكه. قبّلني كأنه يدمر العالم. تجاوزت ليلتنا معاً الشهوة التي أستطيع التعامل معها، فعلنا الحب كأننا على حافة الجحيم.
اكتشفت أنني حامل بك بعدها بأسبوعين، فقررت العودة لشقته. عندما وصلت وجدت امرأة قصيرة بدينة أمام الباب، بدا كأنها ترتدي لباس الراهبات، لكنها لم تكن كذلك.
من أنتِ؟ سألتني دون النظر لي.
أنا صديقة له (قال لي إن اسمه لورينزو) ومن أنتِ، لو سمحتِ بسؤالي؟
كاد أن يتوقف قلبي عن النبض عندما أخبرتني أن اسمها لورينزو.
يبدو أنك صُدمت يا صغيرتي، نحن كلنا اسمنا لورينزو، ألم يقل لك ذلك، لابد أنه فعلها مرة ثانية.
فُتح الباب بعدها ثم دخلت المرأة وتركته مفتوحاً.
أعتقد أنني ظللت قرابة الأبدية واقفة أمام الباب، شعرت كأن هناك شيئاً بل أشياء في الداخل لا أستطيع تخيلها أبداً. ليست أشياء مخيفة، بل أشياء لا يمكن لأحد امتلاك مشاعر نحوها. أخبرتني ماما دائماً أن أثق بحدسي، لكنني غبية، أقسم لك أنني غبية.
عندما دخلت الشقة وجدتها فارغة. كل صور حيوانات الشوارع المعلقة على الحائط، الصالون، المطبخ، المكتبة، غرفة التحميض، دار النوم، الحمام، كل شيء اختفى، ما عدا شيء واحد: صندوق صغير في وسط غرفة المعيشة. رفعته عن الأرض وفتحته، كان فارغاً أيضاً.
لا أفهم ما حدث بعدها. ألقيت الصندوق على الأرض وركضت نحو الباب، لكنني لم أجده. ظللت أبحث عنه، ثم فجأةً بدأت أتقلص في الحجم، ثم اختفى صوتي وشعري ونهداي. بعدها شعرت أن ساقيّ تبخرتا فوقعت على الأرض. ظللت أزحف نحو النافذة التي كلما أصل إليها تبتعد عني. استسلمت في النهاية وفقدت الوعي.
عندما استيقظت وجدت نفسي في المستشفى، بدأت في الصراخ: سالفمي! سالفمي! أتى الطبيب والممرضات بسرعة، أعطوني إبرة في ذراعي، شعرت بالدوار ثم نمت. عندما استيقظت بعدها وجدت الطبيب جالساً بجانب سريري.
اهدئي فيفيانا، قال لي، أرجوك اهدئي، أنتِ في المستشفى، ولقد وجدك أحد المارة تهذين في ساحة كوردوزيو ليلة أمس، أنتِ الآن بخير، هل يمكننا الاتصال بأي أحد من عائلتك، ماذا عن زوجك؟
ليس لديّ أحد، قلت له.
أخبرني أن هذا مستحيل، وأن الجنين ذا الثلاثة أشهر في بطني شاهد أن لديّ كل ما أحتاجه. أخبرته أنه من غير الممكن أن أكون حاملا، أنا لم أكن مع أحد إلا قبل أسبوعين أو ثلاثة.
الأجهرة لا تكذب، هذه صورة جنينك، وهذه تحاليلك، كل شيء طبيعي. عليكِ بالهدوء، في الصباح تود الشرطة الحديث معك، و ما حدث لك على الأرجح هو انهيار عصبي، يبدو أنك تمرين بمرحلة صعبة من حياتك. قال لي.
أخبرته عن ماما وأيامها الأخيرة. ظل يتحدث معي للصباح لحد وصول الشرطة. سألوني عما حدث لي، أخبرتهم أنني لا أتذكر الكثير، إلا أنني أعطيتهم عنوان شقته ومواصفات المرأة.
في اليوم التالي قبل خروجي من المستشفى، أعطاني الطبيب صندوقاً صغيراً وأخبرني أنهم وجدوه بين أغراضي ثم جعلني أعده بالتواصل معه إذا شعرت بالرغبة في الحديث. فتحت الصندوق أمامه لكنه كان فارغاً.
هذا الصندوق جميل، من أين اشتريته، سألني.

قررت التخلص منك منذ أن استيقظت في سرير المستشفى. أنتِ لست طبيعية، ولا يجب أن توجدِ في العالم. هكذا كنت أفكر حينها لكنني لم أقدر على قتلك.
عندما ابتسمتِ لي أول مرة، رأيت ماما، وغمرتني بهجة بأن وجودك في العالم هو الشيء الوحيد الذي يمكنه تفسير أهمية وجودي. أخبرتني الشرطة بعد أيام أن المرأة التي أعطيتهم مواصفاتها هي أقرب ما تكون للأم تيريزا من أي امرأة آخرى. هذا ما قالوه، وإنه لا يوجد أحد سكن في تلك الشقة لقرابة الأربعة أعوام، لقد كانت فارغة منذ ذلك الحين، وآخر مستأجريها هو عربي عجوز لا يعرفون اسمه ولا بلده لأنه لم يبق طويلاً هناك.
بعد ولادتك ذهبت لوحدى للشقة، ووجدت أرضاً فارغة مكان العمارة. عندما سألت أحد عاملي البناء، أخبرني أنهم هدموا العمارة منذ شهرين وأن ملاك الأرض الجدد سيبنون في مكانها غاليري ضخمة.
لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت أفقد توازني الهش، كنت سعيدة بوجودك، لكن الكآبة التي بلتني كانت أكثر حيلة. حاولت مساعدتي أكثر من مرة، لم تبك كثيراً، ويشهد الله أنكِ كنت أذكى فتاة صغيرة رأيتها في حياتي.
لكنني صرت مدمنة، أبلع أي شيء يوقف عقلي. أردت قتل نفسي، فحاولت قتلك. أغرقتك في فونتانا دي بياتزا كاستيلو منتصف الظهيرة، لكن مجموعة مراهقات بجانب البركة أنقذوكِ. كنت قد بلغت من العمر عاما وثمانية أشهر، أما أنا فأصبحت قبيحة، لون عينيّ (أجمل ما فيّ) تحول إلى لون جيفة خنزير مدهوس بجانب الطريق. أعتقد أنني شعرت بالغيرة من جمالك، رغم حبي.
يحدث هذا، لكنك، قال لي الطبيب عندما أتى إلى مركز الشرطة ذلك اليوم، في حالة مزرية، يجب عليّ إدخالك للمصحة، على الأقل لبضعة أيام، ابنتك ستكون بخير وستأخذينها مجدداً، أعدك، هي في أيادي أمينة.
ظللت في المصحة لأربعة أشهر، رأيتك كل نهاية أسبوع، تحسنت كثيراً بعد أسابيع من العلاج، لكنني تيّقنت أنني لا أستطيع أن أكون معك.
هذا هو أفضل شيء، من أجلها، قلت للطبيب.
تستطعين هزيمة أوهامك، قال لي. أقنعته بالعكس ومن حينها بدأنا في البحث عن والديك. ارتحت عندما ضحكت في أحضانهما، وأدركت أنهما الخيار الأمثل.
أنا لست ضعيفة، وفي كل حياتي كنت شجاعة لأبعد حد، لكنني عرفت مصيري جيداً وإن ماطلت، سأصبح مجنونة مثل ماما. لقد رأيت الغد بأحلامي. ما يجعلني مرتاحة البال هو أن هذا لن يصير معك، لأنك ستعيشين حياة جيدة، مختلفة عن حياتي وحياة جدتك.
يخبرني الطبيب أن حالي أفضل الآن، أنا أراه منذ أن أنجبتك، ولكنني مازلت أحتاج لمساعدة لأنني تائهة في هذا العالم ولازلت أمر ببعض الإنهيارات، وهلوسات تفقدني رزانتي من آنٍ لآخر.
لا أريد الحديث مطولاً عن هلوساتي لكي لا تظني شيئاً لا أريدك أن تظنيه. أنا فقط أود اخبارك أنني أشعر به (إلا عندما أرقص) أينما ذهبت، كأنه ملاك قاعد فوق رموش عينيّ بجناحيه الفظيعيّن. وأحياناً كل شهر أو شهرين أتحول إلى صخرة لدقائق. ما يحدث أن عقلي يتوقف، لا أسمع ولا أرى ولا أنطق شيئاً. تنقبض عضلاتي فجأةً بقوة، ويصير جلدي صلباً مثل الاسمنت. أشعر بوجع شديد بعد نهاية كل نوبة. شاهدت عدة تسجيلات لنوباتي وبرغم تنويمي مغنطيسياً أكثر من مرة، لم أتمكن من تذكر أي شيء. ظن أطباء الأعصاب الذين قابلتهم مع طبيبي بالبداية، أنني مصابة بنوع نادر من الصرع، لكن كل التحاليل لم تتوصل لنتيجة، ولا العقاقير أيضاً، عقلك طبيعي، قالوا لي. هذه النوبات لا تملك نموذجاً معيناً، إنها تحدث فقط دون إنذار.
يظن طبيبي أنني أصدقه عندما يقول في جلساتنا المطولة أنه يصدق كل ما أقوله، هو رجل طيب ولو كان كاذباً. أفهم أنه على الآخر أن يكذب على المحتضر  ليُخفف ذعره ويقلل ذعر حتمية الموت. ربما أنا ميتة وهذا كله جحيم، أفكر بذلك أحياناً، وهذا التصور يجعلني أتنفس أفضل.
قال الطبيب أنه في صدد عمل كتاب على حالتي، أخبرته ألا يذكر اسمك ولا اسمي ولا اسم عائلتك الجديدة، هذا هو شرطي إن أراد نشر الكتاب. أنا متأكدة أن الكتاب سيصير من أفضل كتب العام في إيطاليا، وستمتليء جيوب الطبيب بالمال، لا مشكلة لي في ذلك لأنه وعدني أنني إذا سمحت له بالنشر سيعطيني جزءاً من الأرباح. عندها ربما سأفكر بجدية في زيارة وطني، والبحث عن والدى أو قطيع الذئاب الذي قالت عنه ماما، لكنني لا أعرف من أين سأبدأ إذا حدث ووصلت هناك.
أنا واثقة تماماً من أن السيد والسيدة موديريني سيحبونك مثل ابنتهم الحقيقية، هما أناس طيبون، ولقد قضيت معهم بعض الوقت، لا أعتقد أنك تتذكرين ذلك، العمة حمرا التي أعطتك سوار الذهب في عيد ميلادك الخامس؟ هذا السوار ارتدته ماما وأعطته لي عندما كنت في الخامسة، أخبرتني أنه سوار  جدتي وأن كل نساء عائلتنا ارتدينه، أتمنى أن لا يكون قد ضاع منك، وإن ضاع، فلا يهم ذلك، هو مجرد سوار في النهاية.
أنا أحبك، أحبك، أحبك كما لم أحب شخصاً في حياتي كلها. لا يمكنني أن أعبر بالكلمات عن الوجع الذي سببّه فراقك، لكن من أجل سعادتك تحملته، أنتِ فوق كل شيء. ستكونين حذقة وذكية يا ابنتي بلا شك، وأتوسل إليك عندما تنتهين من قراءة هذه الرسالة لا تغضبي على آل موديريني، لقد جعلتهم يعدونني بأنهم لن يعطوك الصندوق الذي به مذكرات ماما ورسالتي إلا عندما تتزوجين. وأرجوك لا تبحثِ عني، على الأرجح أنا الآن مع ماما أبتسم بعيداً عن القسوة.