شريف بهلول: بالطو ماما

James McNeill Whistler, Arrangement in Grey and Black No.1 (Whistler’s Mother), 1871. Source: Wikipedia

كأننا على المسرح.
ينفرج ستار الذكرى عن مشهد مضاء بقوة الحنين وحده، يسطع على بؤرته نور كثيف ومركّز، وهّاج ومكتوم معاً، نور كأنه ليس من هذا العالم، وهو كل ما يبقى لنا من العالم حقا، فيما تغيب أركانه في الظلال، أشبه بلوحة لرمبرانت. ضوء الذاكرة المعتم. كيارُسكورو.
كنا في أواخر مارس، وأواخر السبعينات، وقد بدأ اليوم ربيعياً دافئ النسمات، سماوي الزرقة، كما يندر نشهد الربيع في قاهرة أيامنا هذه الشعثاء المترامية المتروكة ـ بما يشبه اليأس ـ لغبارها وأدران قذاها الذي لا يني يتراكم تحت قشرة سماء رمادية كالحة كأنها تتستر على جمرة انطفأت وماتت وبقيت تنفث صهدها الرازح الوخيم. أذّن العصر منذ سويعات، واقترب المغرب، وتوفّزت متحمسا حين قالت لي أن ألبس لأننا سنخرج. سنذهب إلى المحامي، الذي يتولى عن أبي قضية ميراث وأطيان، في مكتبه في تلك المنطقة الجديدة البعيدة صعبة المواصلات المسماة بالمهندسين. ولأن أبي ليس هنا، ليس في مصر كلها، ولأنها ستقابل رجلا غريباً ولو في مكتبه، ولأنها قد تتأخر، قد تعود بعد أن تظلم السماء، فإن عليها أن تصطحب معها رجلها الآخر، الذي هو أنا، ابنها الأكبر، الواقف على عتبة المراهقة، لكنه أطول منها بسنتيمترات قليلة، هل كنت في الثالثة عشرة أم الرابعة عشرة؟ هل كان عيد الأم قد جاء ومضى، أم لم يأت بعد؟ هل يأتي عيد الأم أبدا؟
يضطرب تيار الذكرى ويختلط، أجوس في أطراف المشهد المكتنفة بالظلال فلا ينفذ بصري فيها، كأنها قُدت من مادة مقاومة للنظر. فلعله من عمل الذاكرة أن تستعين بالمخيلة، وأن يتحول كيارسكورو رمبرانت، شيئا فشيئاً، إلى صفاء لوحة من مونيه المتأخر، يسبح في إنارة رائقة ورقراقة، يتشربها كل شيء.
لنقل، إذن، إنني كنت في الرابعة عشرة، أو أكاد، وإنني ابتسمت لنفسي وأنا أرى بعين الخيال قميصي الذي اشتراه لي أبي، المصنوع من قماشة رخية وناعمة، منقوشة بنقاط دقيقة حمراء وزرقاء، على أرضية بيضاء، الذي قررت أنني سألبسه على اللحم، وأترك بعض أزراره العلوية مفتوحة، اثنين على أقل تقدير، ابتسمت وأنا أرى نفسي فيه عربيداً صغيراً ـ وخطيراً بعض الشيء ـ لأذهب به معها في مشوار المهندسين. لأننا لا نلبس الثياب لمجرد ستر العورة، أو اتقاء شر الطبيعة، أو إرضاء الأمهات. نحن نلبس الثياب أيضاً لنصوغ أنفسنا، لنصنع ذواتنا التي نحلم بها، ذواتنا التي نود لها أن تكون. اعترضت هي بالطبع، وقالت إن الشتاء لم ينته تماماً بعد، لكنها لم تتشدد في الاعتراض. كانت تعرف أن شيئا لم يكن ليثنيني ـ عندما يتملكني عناد المراهقين فأركب رأسي ـ عن ارتداء ذلك القميص وحده. على اللحم.
ها هي أمام المرآة الصغيرة ذات الإطار البرونزي المشغول بسَرَف الروكوكو تستكمل زينتها قبل أن ننزل: تضع القرط بلؤلؤته الفريدة الصغيرة في أذنها، وعلى إصبعها خاتم تتصدره لؤلؤة كبيرة محفوفة بحاشية من قطع الألماس ـ الصناعي ـ الصغيرة البراقة المتألقة بأضواء مشعة معكوسة من نجفة الصالة/السفرة قبل ردهة المدخل مباشرة، وحول عنقها ياقة البلوزة الحريرية البسيطة كأنها قميص رجالي، بياضها لؤلؤي شاهق، ومن ذيل البالطو يبرز شريط رفيع من حافة الجونلة الاسطوانية المستقيمة الكحلية الغامقة التي تقف تحت الركبة بقليل ـ الجونلة (gonnella تصغير gonna الإيطالية) هي المصطلح الشائع الآن، في أواخر السبعينات، وإن كانت الجيبة (من jupe الفرنسية) تلحق به في اطراد لتسبقه في الشيوع لاحقاً، أما skirt الإنجليزية فلم تنل حظ الإيطالية والفرنسية قط لأنه فيما كانت الإنجليزية تنتزع مكانة اللغة الأجنبية الأولى (أهي حقا أجنبية؟ غريبة كل الغربة، كالمرأة التي لا يحل لنا الاختلاء بها؟)، كان البنطلون ينتزع لنفسه المكانة نفسها على أجساد بناتنا (ومنهن بنتي، التي تكاد لا تلبس الجيبة أبداً) بحيث لم يعد للزي نفسه، ولا، بالتبعية، للمصطلح الدال عليه، كبير أهمية، ولهذا ربما امتنع لساننا عن استيعاب التنورة، التي يفترض أنها عربية، أو معربة على أي حال، مع استنكافي وبغضي، بل مقتي، لتلك الكلمة التي تحتبس بداخلها التنور المذكر المتقد بفحيح النار، فكيف لها أن تسمي قطعة الثياب المنسدلة فوق الأخفى والأدق من كنوز الأنوثة الوثيرة؟ أما البالطو ـ والكلمة مأخوذة دون شك من paletot الفرنسية، التي أخذها الفرنسيون عن أصل أبعد هو paltok الإنجليزية الوسطى، لكن أغلب الظن أنها لم تداخل كلامنا إلا بوساطة أو شفاعة من لغة أخرى، لعلها التركية، حيث أن الكلمة الشائعة الدالة على المعطف في الفرنسية وقت استيطانها (القلق، العابر) عندنا لم تكن البالطو وإنما المانطو manteau، على أن مجمع القاهرة أقر استعرابها وقرر أنها تُجمع على بالطوّات أو بلاطيّ ـ أما البالطو الذي ارتدته فوق الجونلة والبلوزة فكان من قماشة صوفية ثقيلة لكنها ناعمة وثمينة وكثيفة الوبرة، بلون أزرق وسطي القيمة بين الملكي والبحاري (أهو البترولي؟)، تعبره بالطول والعرض خطوط رفيعة سوداء تحتجز فيما بينها مربعات ومستطيلات كبيرة ومتراكبة. هل كانت قد فصلته وخاطته لنفسها، مثله مثل غالبية ثيابها؟ هل عكفت على ترابيزة السفرة (عن τραπέζι اليونانية)، بعد أن نشرت فوقها ورقات الباترون المثبتة في القماش بالدبابيس، بعينين مشعتين بالتقصّد والتصميم، وفم مزموم بجدية الاستغراق، والمقص في يدها، تدور به في حركة متقطعة لكنها مُحكمة الانسياب حول حردة الإبط ليصدر ذلك الصوت الهجين الذي يندمج فيه الهسيس المعدني الجاف للنصلين المتصالبين مع الحشرجة العضوية لخيوط القماش وهي تتقطع وتنفصم فيتألف ما ليس له اسم معروف عندي لكنني أتبين فيه وسوسة السين ورغرغة الراء وخشخشة الخاء، كأنه يقول سراخْس؟ تضرب بالمقص مرة بعد مرة بعد مرة، سراخس سراخس سراخس، فإذا بالكم ينفصل، من دوران الكتف إلى حرف الإسورة، ويخرج سليما وكاملا من قطعة القماش المفرودة على ترابيزة السفرة؟ بل ما فصلته وما خاطته. كانت براعتها في التفصيل والخياطة، وأناقتها حين ترتدي ما صنعته لنفسها، مضرب الأمثال ومثار الحسد من صديقاتها وشقيقاتها ومعارفها، لكنها أعطت البالطو لترزي (طرزي؟) تثق فيه، لا لصعوبته عليها ـ فقد فصلت وخاطت فستان زفاف إحدى قريباتنا من بعيد في ليلة واحدة، واحدة بالعدد، من نحو السابعة مساء وحتى قرب الثالثة صباحا، وظلت تنهرنا أنا وأخويّ بعدما سهرنا معها إلى حين ثم بدأنا نتململ ونتشكّى أن غلبنا النعاس، نرجوها أن تترك ما بيدها لتنيمنا، إنقاذا لتلك القريبة من الحرج عندما تعذر عليها التصرف في فستان في اللحظة الأخيرة قبل الفرح. لا لصعوبته عليها إذن وإنما لأن البلاطي تحتاج إلى بطانة حريرية وأزرار مكسوة بالقماشة نفسها وعُرىً كبيرةٍ وما إلى ذلك من حيل الترزية وأسرار صنعتهم، فضلاً عن أن ماكينة خياطتها السنجر القديمة لم تكن لتتحمل ثخانة القماشة السميكة. لعل صورتها وهي تدور بالمقص قد انطبعت في ذهني ـ وسوف يظل صوت المقص يقطع النسيج، سراخس، يبتعثها إلى الأبد ـ حينما كانت تصنع تاييرها الأخير، التايير الصيفي النص كم بالجونلة الكلوش cloche الناقوسية فضفاضة الذيل ونقشة الزهور البرتقالية الصفراء الضخمة المتهدلة على الأرضية سكرية البياض، التايير الصيفي الذي لم تلبسه إلى المستشفى (لأنها ذهبت بثياب البيت) إلا أنهم أخذوه إليها هناك حتى تخرج به، لكنها لم تخرج.
أراها منعكسة في صفحة المرآة وأنا أنظر، أنتظر، على بعد خطوات خلف ظهرها، تشبك في التلبيبة اليسرى لياقة البالطو العريضة ذلك البروش broche (المشبك؟ الدبوس؟) الذي على شكل فيل صغير يرفع خرطومه وإحدى ساقيه الأماميتين بنزق الطفولة ولعبها البرئ، البروش الفالصو (falso من الإيطالية، مرة أخرى) المطلي بلون ذهبي فاتح يشبه الذهب المستورد عيار ١٨ لكنه بالقطع ليس ذهبا، الذي اقتصدنا ثمنه من مصروفنا، أنا وأخويّ، واخترناه ـ أو اخترته أنا، أنا الكبير، وصادقا هما على اختياري ـ هدية لها في عيد الأم الأسبق، ومع أنها لم تكن تلتفت إلى الفالصو، وحتى الفضة كانت تتعامل معها بتحرز وأنفة، ولا تتحلى بغير الذهب، والبلاتين في أحيان نادرة، إلا أنها لم تتردد مرة في ارتدائه كي ترينا كم تعتز بهديتنا. كانت عين الفيل لؤلؤة دقيقة ناصعة، هي بمثابة الحركة الأخيرة، الثالثة بعد القرط والخاتم ـ أم تراها الرابعة، باحتساب البياض اللؤلؤي لياقة بلوزتها الحريرية المطلة من تحت البالطو؟ ـ من كونشرتو زينتها المتلألئ متراسل النغمات. جاءت عينها في عيني عبر المرآة، وخطر لي أن ثم مغزىً لنظرتها، تريد أن تقول: انظر ماذا ارتديت، انظر كيف احتطت لمفاجآت الطقس. فرددت عليها بهزة من كتفي، تتنصل من قصدها الحقيقي بالتفاف مراوغ، يريد أن يوحي بأن كل هذا التأنق والتزين والتحوط هو شأنكن أنتن معشر النساء، وشأنك أنت بالأحرى من بينهن، لكنه لا يُلزمني، أنا، بشيء. سبقتني إلى باب الشقة وعلى شفتيها ابتسامة لم أعرف أن أقرأها، ومشينا إلى محطة الأتوبيس.
هل يصدق أحد الآن أنه كان يمكن لسيدة هادئة الحُسن، لم يفارقها الشباب بعد، أن تركب وسيلة مواصلات عامة في القاهرة قبل أن تغرب الشمس بقليل، وتعود إلى بيتها بعد أفولها بكثير، بكل هذا الرهف المنمق الأنيق، آمنة مطمئنة وكأنه تصرف عادي لا يثير استغراباً عندها أو عند غيرها؟ أو هل أصدق أنا؟ ومن أنا على كل حال؟ المراهق المتوفز الفرح بدبيب الحياة في عروقه، بحسية حفيف القميص الناعم على جلده، المنتشي بانتصار عناده ورأسه الذي ركبه، أم الكهل ـ العارف؟ الفطن؟ ـ الذي عرك ـ وعركته ـ الحياة، أو حياة ما على الأقل، باطنية أكثر منها ظاهرية، الذي يخط هذه السطور؟ أأنا في هوية معه؟ ولماذا نقول معه؟ هل الهُويّة معية؟ أن نكون معا في تناظر مرصود، يرنو أحدنا إلى الآخر من على ضفتين آخذتين في التباعد، تجري بينهما مياه الوقت، طول الوقت، لا تكف عن الجريان؟ أليست الهوية أن يكون هو هو، وأنت أنت، وأنا أنا؟ فهل أنا هو؟ لعلي ما زلته على نحو من الأنحاء، عنيدا أركب رأسي، وإن بطرق أخرى، أكثر استخفاء واستعصاء على التوصيف. ولعله لم يختزن الذكرى إلا لأجل خاطري أنا، هو، أنا الذي (كان؟) هو، محض تكئة أتعلل بها لأكتب إليك هذه الكتابة، رسالة في زجاجة أرسلتها إلى نفسي عبر عباب ما يقرب من أربعة عقود من عمري وعمر الزمان، أعثر عليها وأفض ختمها اليوم فقط لكي يلهج لساني بالنداء: ماما، ما أحلى جرس اسمك في فمي، وما أعذب وقعه على روحي اليوم بعد سنين طوال (كيف مرت؟) لم أنطق به فيها.
عندما نزلنا من مكتب المحامي كان الجو قد انقلب تماماً. ذابت حرارة النهار في مغيب الشمس، ونشط الهواء البارد يتدافع من حولنا، في شهقة لعلها كانت الأخيرة من ذلك الشتاء، يثير التراب في ذلك الحي الجديد، ويطير بالأوراق الملقاة على الأرض ـ لا مفر منها ـ ويرتفع بياقة قميصي الخفيف الناعم وينسل من تحتها إلى بدني، قارسا، بعد دفء المكتب المقفول. وضعت يديّ في جيوب البنطلون لأمنع نفسي من فركهما الواحدة بالأخرى استجلابا للدفء، وجاهدت أن أضبط رعدة أحسستها تتسلل إلى أطرافي حتى أسير بجوارها راسياً وثقيلاً، وكأنني لا أشعر بالبرد. كنا نمشي نحو الطرف الغربي من جامعة الدول، ناحية بولاق الدكرور، وكانت كثافة البناء هنا، وقتذاك، وارتفاع المباني، أخف كثيرا من طرف الشارع الأخر، وأقل تزاحما وتكتلا بالتأكيد من بقية القاهرة، أو ما كنت أعرفه من القاهرة. وحين رفعت عيني إلى السماء، كما أحب أن أفعل دائماً، أُخذت بانفساحها المفاجئ: أن ثمة أفقاً نتطلع إليه، وأن السماء فوقه شاسعة، صافية السواد، تومض فيها نجوم مبعثرة، وتذرعها سحب نحيلة هفهافة مسننة الحواف، قبل أن تنسد على أيامنا بالكباري الجسيمة المتلوية والعمارات العالية المتلاصقة المتلاحقة. خطونا إلى قلب مخروط من الضوء الأصفر الرائق، ينهمر علينا من أحد أعمدة الصوديوم التي لعلها كانت اختراعاَ جديداً على مدينتنا حينذاك، إضاءته نظيفة مصفّاة، خالية من أثر العكارة التي ستترسب عليه بمرور الزمن، وحانت مني نظرة إليها ـ خاطفة ـ فرأيت على شفتيها ابتسامة ضئيلة وضيقة، بالفم فقط، توترت منها وشعرت بلذعة غضب طفيف، إذ كنت قد بدأت ـ الآن فقط ـ أتعلم تأويل بسمات الأمهات: لا شك وأنها لاحظت ارتعادي من البرد، ومن شأني أن أسمع تقريعها المحتوم لعنادي وإصراري على القميص الخفيف. لكنها قالت لي، بصوت ليس فيه أدنى أثر للتقريع أو حتى العتب، بل إنني سمعت فيه نبرة خفيضة متضاحكة من التباسط وندّية المعابثة: إنت عارف درجة الحرارة الصغرى النهاردة كام؟ حداشر. لم تُزد على هذا، وكانت الابتسامة قد صعدت فورا إلى عينيها، وشملت وجهها كله، ورأيت في نور الشارع الأصفر الصافي أن غضوناً دقيقة ومتوازية تنتظم على جانبي عينيها وحول فمها، وأن شعرها، الذي كانت تصبغه بلون بني مصقول وغني، متعدد الأغوار وفيه حمرة دفينة، أفتح من لونه الأصلي بدرجة أو درجتين، قد بدأت بعض جذوره تبزغ فوق جلد رأسها، شيباء وباهتة. فامتلأ قلبي بالحنان لهذه السيدة الوسيمة الكريمة، ذكية الفؤاد، أبية الروح، ووددت لو استطعت أن أدفع عنها غائلة الزمن. لم أكن أعرف أن “أمنيتي” ستتحقق بعد سنة واحدة وبضعة شهور، وأنها لن تشيخ أبداً، ولن تغيض مياه الشباب من بشرتها الوردية، المشدودة على لحم وجهها القليل، أبداً. هل كانت أبواب السماء مفتوحة؟ تتسمع من خلفها أخفت خلجات نفوسنا، وهي تتقطر من حبات قلوبنا، من قبل حتى أن نعرف كيف نصوغها في كلمات؟ هل للسماء أبواب؟
شردت عني عيناها، نظرتها الآن ساهمة، وخطوتها أسرع قليلا وأوضح عزما، وعلى وجهها تعبير فيه قلق ونفاد صبر. لعلها تبحث ببصرها عن ميكروباص، كالذي بدأ يظهر في شوارعنا، ويتلكأ عند المحطات، على استحياء في البداية، كمنقذ للكثيرين من مهانة الأتوبيس، ليصير فيما بعد وسيلة المواصلات العامة الرئيسية الرسمية في هذه المدينة، ميكروباص نعود به كما أتينا به، كأنما أنبأها حدسها بأن هذه البقعة التي نقف فيها ستتحول مع كر السنوات إلى موقف للباصات ـ الميني والميكرو وكل الأحجام ـ  ومرتع للتكاتك ـ التي تخبّ وتعدو وتنقض وتنثني وتتفلت من كل الاتجاهات كأنها حشرات ضخمة خارقة سقطت على الأرض من الفضاء الخارجي ـ ومحطة للحلقة الأخيرة حتى الآن من سلسلة التطورات التي أحالت نقل الناس، كل هؤلاء الناس، من مكان إلى مكان، طوال ساعات الليل والنهار ـ ليفعلوا ماذا؟ ـ أحالته النشاط الاقتصادي الأول، وربما الأكبر، في القاهرة: عربات السوزوكي الملاكي الڤان التي تحمّل الركاب بالأجرة. الأرجح أنها تفكر في أخويّ الأصغر اللذين تركناهما وحدهما في البيت، اللذين يشغلان بالها بكل تأكيد وتريد أن تطمئن عليهما بأسرع ما يمكن. ولعل في سهومها أيضاً شيء من الحسرة على جوهرة المغرب التي أفلتت منها اليوم بسبب المشوار الاضطراري، رغم حرصها عليها وعلى كل الصلوات، التي لم تكن تغرينا بها إلا بترديد الحديث الشريف: المغرب جوهرة فالتقطوها، بصوتها المريح الهادئ الخالي من التهديد. تحيرت لوهلة: هل أمتعض لانشغالها عني بهذه السرعة، أم أتنفس الصعداء لانتهاء قصة القميص ـ التي كان واضحا الآن أنها انتهت تماما، كأنما لم تكن ـ على خير، بغير عقابيل؟ ثم عرفت، حين رفعت ذراعها اليسرى، بحركة كأنها لاواعية ولاإرادية، وفي عينيها نفس النظرة البعيدة، ذراعها المكسوة بصوف البالطو الناعم الثمين، تحيط بها كتفيّ، تحثني أن أغذ السير معها نحو الميكروباص الذي لمحَته، وتدفئني في الوقت نفسه، تسكّن رعدة المراهق التي لم تزل تسري في بدن كهل تجاوز الخمسين، عرفت معرفة قاطعة ونهائية أن ما كان يفيض عليّ من هاتين العينين، من تحت أهدابهما الطويلة، هو محبة خالصة، غامرة وغير مشروطة، وأنني لن أعرف ماذا أصنع بنفسي إذا سُلبت مني هذه المحبة، أو ما كانت تستسلفه من محبات قليلة، ما أقلها وما أعزها وما كان أفدح فقدانها، مذخورة لي في مقبل الأيام، وأنني ما زلت لا أعرف.