أحمد ناجي: أختي

Isabela Castelan, Karma, 2016. Source: lauraiartgallery.com

١
لم أسمع نداءه لأن السماعات  في أذني. لم أشعر به إلا وباب الغرفة يفتح بعنف، يقتحم حجراتنا مثلما يداهم الأوكار في مهام عمله. 
وقف في فرجة الباب يرتدي بنطالا قطنيا أبيض، وفوقه فانلة داخلية حملات ابتلت في أجزاء منها بعرقه، وشعر صدره الغزير – أحمد الله لم أرثه منه – يطل من الفانلة.
نزعت السماعات من أذني، متوقعاً فاصل من الشتيمة المعتادة، ودون انتظار ما سيرمينى به قلت ملتجلجاً “بتنده عليا، سهران بذاكر مسمعتش.”
عكس توقعي، أتى صوته هادئاً، وجهه خال من الانفعال “البس هدومك، احنا رايحين لأختك” ثم انصرف من الحجرة دون شرح أو تفصيل.
أنا أصلاً لا أعرف لما هو في المنزل هذا المساء؟
نظرت للساعة في الموبايل، الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ماذا نفعل عند أختي في هذا الوقت؟
تزوجت أختي العام الماضي، برحيلها لم يعد هناك في المنزل سواي وأخي الأصغر، وأمي.
 مغادرتها خلقت فراغا وصمتا في البيت. كانت محط اهتمامه، ودلعه ولعناته. يحبها ويخاف عليها، يلبي كل طلباتها لكن يفقد أعصابه حين يراها في الشارع ترتدي بلوزة قصيرة تكشف مؤخرتها في البنطال الجينز. ينفجر غضبه حين تجادله في أوامره وينهي النقاش، بأن مركزه ووظيفته لا يسمحان له أن يترك ابنته تمشي هكذا، وأنه سيفقد هيبته واحترام أهل البلد بسببها، ترد عليه بأن بنات فلان وعلان يرتدين ذات الملابس، فيرد بأننا لسنا فلانا وعلانا، تجاوبه “يعنى لا احنا فوق ولا تحت” يفقد أعصابه ويهوى بكفه الثقيل على خدها.
ثم عند المساء يأتي بسندوتشات الكفتة، والشيكولاتة. ولا ينصرف إلا وهما يبتسمان ويتضاحكان.
في مرحلة مبكرة حين كنت صغيراً، اعترضتُ مرة لماذا يعاملني بشكل مختلف عنها، فرد “أنت راجل، لازم تخشن وتتعود على الشدة، علشان لما تخش كلية الشرطة”.
بالطبع لم أدخل كلية الشرطة. متعمداً ارتكبت كل الأخطاء في الاختبارات البدنية، ورفضت ضغوطه لدخول كلية الحقوق. لا أريد أن أصبح مثله، ولا أعرف ما أريد.
سألته ونحن في الطريق ما الذي يحدث؟ ولماذا نزور أختي في هذا الوقت؟
قال إنها ليست على ما يرام، وزوجها اتصل يستغيث ويطلب منه الحضور فوراً لأنه خائف ولا يعرف كيف يتصرف.
تعيش أختي مع زوجها في منزل عائلته الذي يتكون من أربعة طوابق. في الطابق الأرضي تسكن حماتها، ثم سلفة الأخيرة وزوجها في الطابق الأول، وفي الطابق الثاني تعيش أخت زوجها المطلقة مع أولادها، ثم أختي في الدور الثالث، وفوقها شقة الابن الأصغر المغلقة حيث يعيش مع زوجته في السعودية.
استقبلنا زوج أختي في شقة أمه. رائحة محشي كرنب تعبئ المكان. جلست المرأة العجوز في حجرها مصحف ضخم آياته مكتوبة بخط كبير، تهتز للأمام والخلف دون أن تصدر صوتا، وصوت القرآن يغمر البيت من راديو موضوع فوق الثلاجة. لم ترفع رأسها لتحيتنا حين دخلنا، ردت السلام وانهمكت في مصحفها. 
تحدث زوج أختى موجهاً كلامه لأبي. قال إنه حاول اتباع نصيحته والصبر، فهو يحبها ويعزها، لكنه لا يعرف كيف يتصرف، وما يحدث ليس طبيعياً.
فبعدما تعشي الاثنان، جلسا يشاهدان فيلماً أجنبياً في التلفاز. طلب منها كوب ماء، فلم تستجب. نادى عليها فلم تبد أى انفعال، نظر في وجهها فرآها ساكنة وعيونها ثابته على الشاشة حتى رموشها لا ترجف. هزها من كتفها ليوقظها، فانقلبت عيونها وتحول سواد بؤبؤها إلى بياض. عوت كالذئاب ثم نطقت بلسان أعجمى غريب بينما يتطاير زبد أبيض من فمها، ثم نهضت وأخذت تقذف كل ما تطوله يديها وتكسر الشقة والزجاج والمرايات.
لم ينتظر أبي حتي يكمل حكايته، نهض وصعد السلالم وهو يجرني خلفه، طرق الباب ونادى عليها:
– افتحى يا إيمان أنا بابا.
أتى صوت زوجها خلفنا من علي السلم، قال:
– أنا قفلت عليها من برا مش هتعرف تفتح الباب.
تنحى أبي جانباً، أدار زوجها المفتاح في الرتاج ثم دفع الباب وتراجع للخلف. دخل أبي وخلفه أنا بينما وقف زوجها في الخارج.
أتذكر وقت تأثيث الشقة، أصر زوجها على استخدام ورق الحائط والكثير من المرايات. قال إن ورق الحائط برسوم المناظر الطبيعية الاستوائية مع المرايا يعطى براحاً للمنزل ويجعله أكثر اتساعاً. اعترضت أختي على ورق الحائط ولم تقبل به إلا في غرفة الصالون. كانت الشقة واسعة، لكن مع ذلك ممتلئة بالمرايات، كل باب تغطية مرآة، وفي الصالة احتلت مرآة كبيرة جدارا كاملا.
 الآن تناثرت قطع الزجاج على الأرض، تكسرت بعض المرايات وتبعثرت شظاياها. من غرفة النوم أتي صوت التلفزيون.
 دخلت خلف أبي إلى هناك، كانت أختى تجلس أمام التلفاز مخدرة، عيونها مسلطة على الشاشة التي تعرض إعلانات وجبات التوفير، وكومبو ساندوتش الفراخ الحارة، والدم ينزف من يديها وقدميها.
 
٢
طفنا بها علي الأطباء، أجرينا الأشعة والتحاليل، ورسم القلب، وتتبع إشارات المخ. ثلاثة شهور من الإبر، والبول، والدم. ولم نحصل على إجابة شافية، بعض الأطباء قالوا لديها كهرباء زيادة في المخ، آخرون قالوا ربما صرع.
في ثلاثة شهور داهمتها تلك النوبات مرة واحدة، كانت في منزلنا تجلس مع أمي في الشرفة يحتسيان الشاى، ثم دون إنذار قذفت كوب الشاي في الشارع، نهضت واقفة لكن خذلتها قدميها فسقطت علي الأرض ترتعش، صرخت أمي باسمي لأحضر لنجدتهم، وقفت على عتبة الشرفة انظر لها.
 علي الأرض ترتجف وتنتفض وعيونها مقلوبة…
 كل هذا تمثيل، كيف يصدقونها؟
 أمى تضع رأسها في حجرها، تمسح لعابها المندلق من فمها بكم جلابيتها، و تبسمل وتحوقل حتى هدأت.
 
٣
بعد تلك المرة في شرفتنا، لم تداهمها النوبات لمدة طويلة حتى نسينا الأمر. لكن ازدادت دموعها، وخلافاتها مع زوجها. تغضب كثيراً وتترك منزلها وتعود لتقضي ليالى في بيتنا.
انتقل أبي إلى محافظة أخرى في مهمة عمل. يطول غيابه عن المنزل، فتظل في بيتنا حتي يعود ويصالحها على زوجها. هاتفني ذات مرة وسبني بالأم والدين، لأني خول ولا أعرف كيف آخذ حق أختي، وكيف تمر ثلاث ليالى في المنزل دون أن أهاتف زوجها وأتفاهم معه.
 وماذا أفعل؟
 زوجها يرغب في الخلفة والأولاد، ورغم مرور أكثر من سنة لم تحمل أختي. ذهبت إلى الطبيب وأجرت الفحوص والتحاليل اللازمة وجاءت النتيجة إيجابية ولا يوجد ما يمنع. لكن زوجها يرفض زيارة الطبيب أو التحليل ويريدها فقط أن تحبل وتنجب لأمه حفيدا.
في الطلعة والنزلة، تلقح حماتها عليها بالكلام، حتى انفجرت فيها، ورمت في وجهها تحاليلها التي تثبت أنها تمام، وشمعتها سليمة.
حين عاد زوجها من العمل أكمل الخناق معها بدلاً عن أمه، فغادرت المنزل وأتت لعندنا.
هاتفت زوجها فطلب لقائي لوحدنا على القهوة. كان يكبرنى بسبعة أعوام. دائماً يحاول التودد لي بشكل غير مبرر. يخبرني حكايات قصيرة عن نفسه يعتبرها أسراراً، وهي ليست كذلك. ليس في حياته أسرار، فهو دلوع عين أمه، تربي في حضنها، وبعد تخرجها توسطت لدى أخواتها المستشارين ليتم تعيينه في مصلحة الضرائب، يذهب إلى العمل ويعود منه. مرة أو مرتين يجلس على القهوة مع زملائه أو قدامى الأصدقاء، لكن هذه المرة طلب اللقاء في قهوة بعيدة عن مجال سكننا نحن الاثنين.
بعد تلجلج صارحني بأنه يحب أختي جداً، وأنها أهم شيء في حياته. دون أن أسأله اعترف بحبها منذ كان عمره ١٣ عاماً، ولا يستطيع التخلي عنها ولن يقبل بخسارتها، لكنه مضغوط عليه بسبب أمه التي يستطيع أن يغضبها، واتهم أختي باستفزازها وافتعال الخناقات.
ظل يدور في الحديث حول صلب الموضوع، وحين واجهته  “لم لا تجري فحوصات الحمل، حتي نغلق باب الخناقات وتعيشوا في تبات ونبات” صمت وأحنى رأسه في قلة حيلة وانسابت دمعة من عينه. ارتبكت أمام دموعه فكررت سؤالي بصيغ آخري، لكن لم أحصل منه سوي على الدموع  والنهنهة وهو يردد  “مقدرش… افرض طلع العيب منى، هتخلوها تسيبنى؟”.
أحنيت رأسي ونظرت لأصابعي الخارجة من الشبشب. كنا في بداية شهر أكتوبر، والجو جميل، والريح تحرك أفرع الشجر الجافة في الميدان أمامنا، ورائحة شياط ودخان حرق قش الأرز تعبيء الهواء. جاوبته “لا حول ولا قوة إلا بالله مين يسيبك بس، كل مشكلة لا قدر الله ولها علاج، استهدى بالله وتعالى خد مراتك بقى”.
 
٤
عادت إلى بيت زوجها مع اتفاق بقطع العلاقات. لم تعد تنزل لأمه، ولا أمه أصلا بقادرة على الصعود لأعلى. ارتاح الجميع ومضت الحياة بسلاسة بينهما، وتوطدت علاقتي بزوجها.
في رمضان كانوا معزومين على الإفطار عندنا، واستغل زوجها انفراده بأبي وأخي وقال إنه يفكر في دعوة شيخ لزيارة منزلهم لأن هناك شيئاً ليس علي ما يرام. قال إنها ترفض تشغيل القرآن حتى يوم الجمعة، وكانت قبل ذلك تصر على تبخيره قبل أن يخرج للصلاة، الآن تتحجج بالتعب والنوم. قال كذلك إنها تقضي ساعات طويلة لوحدها في الحمام، تتحدث وتهمس لشخص ما. وحين يشاهدان  التلفاز ويقطع بث الآذان أحداث المسلسل تقلب على قناة الأغانى وتشتكي له من “الآذان دا في كل حتة ما عرفنا خلاص”.  
دخلت علينا تحمل صينية الشاي، فواجهها أبي “جوزك بيقول إنك مخاوية عفريت في الحمام يا إيمان”.
ابتسمت ونظرت له، ثم تخشبت مكانها. احمر وجهها كأنما انحبس الدم في رأسها، اهتز جسدها وانقلبت عيناها لأعلي، ثم قذفت صينية الشاى باتجاه أبي، صرخت وقذفتنا بكل ما طالته يدها. انقضضت عليها أنا وأخي محاولين تكتيفها وتقييد حركتها، فتحدثَت بصوت ذكوري خشن يستحيل أن يخرج منها، سب الدين لأبي وخاطبه صارخاً “مش هسيبها يا ابن وهيبة، يا مجرم… مش كفاية اللى عملته فيها، يا مخبر يا عرص.”
هوى أبي بكفه الغليظ، كف المخبرين علي وجهها.
كف واحد كان يخرس أى جدال بينهما، لكن هذه المرة لم يتوقف الصوت عن الهذيان وتطاير لعابها في كل اتجاه، فتسارعت كفوف أبي على وجهها حتى فقدت الوعي.
 
٥
حرصنا بعد ذلك على عدم تركها لوحدها. يذهب زوجها للعمل فتأتى لمنزل الأسرة، أو تذهب أمي أو أنا للجلوس معها، أخي كان في المرحلة الثانوية ولا بد أن يركز أكثر في دراسته. توطدت علاقتنا في هذه الفترة، تعرف كلانا علي الآخر لا كأخ وأخت دائما العراك والتنافس في بيت يحكمه الرعب من الأب الذي يصفع أكثر مما يتكلم.
نجلس أمام التلفاز ونعلق على كل ما يمر، اكتشفنا أن ذوقنا واحد في الممثلات، لكن ليس كذلك في الممثلين. وبتكرر الزيارات والجلسات أصبح لدينا لأول مرة أغان نحبها نحن الاثنان، وبرامج نتابعها معاً.
في هذه الليلة جلسنا لمشاهدة حلقة مسابقة “ذا فويس كيدز” حيث يتنافس مجموعة من الأطفال في الغناء والبكاء والصريخ والضحكات والعناق والآباء الفخورين بأبنائهم. في الفاصل الإعلاني، سألتنى إذا كنت جوعان، واقترحت أن تقلي بعض أصابع البطاطس مع طبق بيض بالبسطرمة. لكني قلت لننتظر انتهاء الحلقة، ثم رن جرس الباب.
ذهبت لتفتح بينما تناولت الريموت وخفضت مستوى الصوت. سمعت زوجها يهمس لها بالدخول لغرفة النوم، ثم يدخل مرحباً بأبي وأشخاص آخرين معهم. نهضت لأسلم بينما قفز زوجها إلى الريموت وأغلق التلفاز محرجاً من منظر الطفلة الملطخة بالمكياج والتى تغني تحت الأضواء.
جلس أبي بعيداً عني وتفادي النظر نحوى. عيونه مسلطة على الشيخ ومساعده. عرض زوجها عليهم شرب الشاي، لكن الشيخ اعتذر وقال أنه لا يستحسن شرب شيء في المنزل قبل تطهيره.
ذهب زوجها إلى غرفة النوم، ثم أتى وأخذ معه أبي، بينما جلست مع الشيخ وتابعه. دون مقدمات بدأ الأخير يقرأ آيات متفرقة من القرآن وتسابيح وأذكار مختلطة غير مترابطة، بينما أغمض الشيخ عينيه، ويده تمسد لحيته السوداء المنثورة بشعيرات بيضاء.
أخيراً خرجت مع أبي وزوجها، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة. سلمت على الشيخ الذي ثبت نظره على الأرض. سألها الشيخ إذا كنت متوضئة،  فقالت الحمد لله. تذكرت أنها دخلت الحمام قبل قدومهم فكيف تكون متوضئة؟
طلب الشيخ كوب ماء زجاجيا، ومصحفا. فتح المصحف على سورة غافر، وطلب منها أن تقرأ. قرأت بصوت واضح ونطق سليم. حفظت نصف القرآن حين كنا صغاراً، وكانت فصيحة وذات لسان ومخارج ألفاظ منضبطة.
لم يوقفها الشيخ إلا حين أنهت السورة، فتبسم وأشرق وجهه، وقال ما شاء الله.
طلب مصحفا آخر، وأجلس زوجها عن يساره على الأريكة بينما جلست أنا عن يمينه على كرسي منفصل وأمامنا أختي، في عيونها ما ظننته وقتها حيرة وتوهانا، لكن اليوم أراه احتقارًا لنا جميعاً.
طلب الشيخ منها أن تقرأ سورة الرحمن.
بدأت القراءة وقد اكتسب صوتها ثقة أكثر. بطرف عيني رأيت الشيخ يضع أصبعه ويتبعها على المصحف وهى تقرأ، كأنما يشير إلى زوجها أن استمع وراقب. حتي وصلت إلى الآية ٣١ وقالت “سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ” ثم قفزت منها إلى الآية ٣٤ وأكملت قراءة. انتبه زوجها والشيخ إلى الخطأ، حرك الشيخ  إصبعه على السطر الذي أسقطته أختي من قراءتها، تحديداً الآية ٣٣ “يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ”.
هذه المرة لم ينتظر الشيخ حتى تنهى السورة، بل قاطعها وقال: “أحسنت، أحسنت يا ابنتى”
ثم وضع يده فوق كوب الماء وقرأ الفاتحة وآية الكرسي. طلب منها أن تشرب كوب الماء، واستأذن وانصرف هو وتابعه.
 
٦
في المرة التالية أتي الشيخ ومعه المساعد. لم يحضر أبي لانشغاله في مهمة خارج المحافظة. لاحظت عصا طويلة ورفيعة في يد مساعد الشيخ. بدلاً من الصالة المفتوحة طلب الشيخ الجلوس في غرفة لها باب يمكن غلقه، فدخلنا جميعاً غرفة النوم الثانية والمجهزة بحيث تكون غرفة نوم للأطفال، الأطفال الذين لم يأتوا رغم زواجهما لأكثر من عامين.
طلب الشيخ أن تجلس قبالته. وضع المصحف مغلقاً بينهما. ثم قرأ الفاتحة والمعوذتين. أمرها أن تردد خلفه وبدأ.
 قرأ جزء من بداية سورة غافر، ثم انتقل لسورة الجن، تردد صوتها خلفه خافتاً تأكل بعض الكلمات أو تنطق كلامًا آخر.
رأيت يد الشيخ تشير لمساعدة فناوله العصا، ثم فجأة هوى بالعصا على كتف أختي. انتفضنا نحن بينما ظلت هي جالسة مكانها كأنما لم يحدث شيء، استمر في القراءة لكن بدلاً من آيات الذكر الحكيم قالت أختي “مين حبيبي أنا؟ رد عليا وقول”.
 استعاذ الشيخ، ثم كرر الآية مرة أخرى، لكن صدح صوت أختي بأغنية نوال الزغبي “مين حبيبي أنا؟ رد عليا وقول”.
ارتفعت عصا الشيخ تشق الهواء، ثم تهوى على كتف وفخذ أختي، كان محاذراً ألا يمس وجهها. تحملت أختى أول ثلاث أو خمس ضربات مستمرة في الغناء، ثم قفزت من مكانها وخرج منها الصوت الخشن مرة أخرى، في هيجان و بربرية متوحشة تصرخ وتقفز في أنحاء الغرفة.
وقفت حاجزاً بين الشيخ وأختي، لكن جذبني مساعده  من يدي بعيداً عن عصا الشيخ التي لم تتوقف ضرباتها على جسد أختي. نظرت لزوجها مستنجداً في صمت به، فقال “انشاء الله خير، دا كله لمصلحتها، علشان نطلع ابن الوسخة من جتتها”.
دفعت مساعد الشيخ، وخلصت ذراعي من يديه، أمسكت كف الشيخ مانعاً إياه من ضرب أختي، نظر في عيني ورأيت عيونه حمراء، جهنم حطبها أكثره من النساء، وبشر تعذب وتشوى وتجلد  على أتفه الأسباب.
دفعنا المساعد أنا وزوجها خارج الغرفة. حاولت تنحيته والدخول لأختي، لكن زوجها جذبني من ذراعي وزعق “ما خلاص بقى، أبوك عارف وأنا زوجها وكلمتي تمشي في بيتي”.
قال المساعد إن ما سيحدث سيكون عصيباً وعلينا تجميد قلوبنا. دخل الغرفة ثم خرج، وطلب ملاية. اندفع زوجها إلى غرفة النوم الأخرى واحضر له الملاية، ثم ذهب إلى الاستريو ووضع شريط قرآن كريم بصوت الشيخ المنشاوي.
جلس أمامي في الصالة، ومن الغرفة تعالت صرخات أختي وضربات العصا على جسدها.
اختفى الصوت الخشن، وكان الآن صوتها ملتاعاً تصرخ “كفاية”. تنادي على زوجها، تنادي على أبي، لكن يقاطعها صوت الشيخ مطالباً بأن تردد خلفه الآية، ويهوي بالعصا عليها. تعالى صوت دموعها وصراخها ثم هدأ، خفت صوت الشيخ، ورفع زوجها صوت المسجل وقرآن الشيخ المنشاوي. انتظرت أن تنادي إيمان عليّ، أن تستغيث بي، لكنها لم تفعل…
نهضت وانصرفت دون أن أودع زوجها.
 
٧
مع هذا ذهبت في المرة التالية.
 حضر الشيخ وتابعه الحقير، دخل وأختي إلى الغرفة. وهذه المرة طلب مساعده تشغيل القرآن بصوت عال في الاستريو. أرهفت السمع، لكن لم أتبين الأصوات.
امتنعت أختي عن الحديث في تفاصيل ما يحدث في الغرفة بينها وبين الشيخ، كانت تجيب على أسئلتي باقتضاب أو ترد “بنقرأ قرآن” أو “بيغمى عليا مش بكون فاكرة”.
بدأت ترتدي عباءة طويلة وتغطي شعرها طوال الوقت حتى في وجودي أنا أخيها. سألتها مرة إذا كانت بخير فقالت “الحمد لله، جسمى بس كله وارم ومزرق من العفريت اللي مطلع عيني دا”.
لم تعد تغادر منزلها ولا حتى لزيارتنا، أسدلت قطعة قماش على شاشة التلفاز وقالت أنه يجلب الشياطين ورفضت تشغيله، والراديو دائماً على إذاعة القرآن الكريم، كذلك غطت كل المرايات ونزعت اللوحات، ورضخ زوجها لطلبها بنزع ورق الحائط وطلاء الحوائط بلون أخضر فستقي. بدأت علاقتنا تتدهور مرة آخري، لم يعد هناك تلفزيون لنشاهده، أو أغان جديدة لنستمع لها معاً. يوماً بعد يوم نتباعد لكن دون كراهية أو شك مثلما كان الحال في صغرنا، بل تدخل علاقتنا مرحلة ثالثة من اللامبالاة وعدم الاهتمام، كل واحد في عالمه الخاص يعانى منفرداً.
واظب الشيخ على زياراته مرة كل أسبوع، أو كل أسبوعين بذات الطقوس والعصا. استمر الأمر لمدة ثلاثة شهور، حتى أخبرت أمي أنها ذهبت لزيارة دكتورة النسا والولادة وعادت لتبشرها أنها حامل. بعدها أعلن زوجها عن شفائها، ولم يعد الشيخ ومساعده وعصاه لزيارتهم.
 
٨
تخرجت، وانتقلت للعمل في القاهرة. تقلصت عودتى وزياراتي. تقاعد أبي وخرج على المعاش، لكن تم تعيينه في مبنى المحافظة في منصب ما لم أفهم طبيعته.
المرة الأخيرة التي زرت فيها أختى استقبلتني على باب منزلها مرتدية النقاب، ثم رفعته حين دخلت وقالت أنها ظنتني “بتاع الديلفيري”. أصبح لديها ثلاثة أولاد، يجرون في كل مكان وتحاول السيطرة عليهم وإجبارهم على النوم مبكراً… بحجة المدرسة غداً.
التلفاز لا يزال مغطى، والراديو مفتوح بصوت خافت على إذاعة القرآن الكريم.
خرجت من غرفة الأولاد، وبعد الدردشة والكلام عرضت أن نتعشى سوياً لأن زوجها سيتأخر ولن يأتي إلا بعد منتصف الليل. طلبت منها بيض بالبسطرمة، لكن فاجأتنى وهى العاشقة للبسطرمة بأنها لم تعد تشتري بسطرمة لأنها مصنوعة من لحم الفئران!
 عرضت طبق بيض مقلي مع جبنة و “أحمّر لك شوية بطاطس”. ثم تراجعت مبتسمة، “ولا بلاش البطاطس علشان كرشك”. خبطتنى مازحة على بطني وقالت:
– مش ناوى تعمل عملية، وتربط كرشك.
 قامت لتعد العشاء، ظللت جالساً لا أعرف ما أفعله دون وجود تلفاز. رفعت قدمي ومددتها على الأريكة، ثم لمحتها بين ظهر الأريكة والحائط محشورة، عصا رفيعة، عصا الشيخ.