طعم الوصول | بيسان عدوان: وحدة قياس المسافة بين جسدينِ

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Istanbul, London / 1840. Source: Wikipedia

عزيزي،
فتّشتُ بشغفٍ لانهائي في صفحاتِ الأخبارِ الرّقميةِ والموسوعاتِ الرّقميةِ وحتى المذياع على أملٍ يعيدُ التّدفقَ في المشهدِ في اسطنبول، ولكن كانَ عليّ حين أغلقُ نوافذَ الحكايةِ، وأُلملمُ أطيافَ العابرينَ خلسةً في نصوصي القديمةِ كي يأتي النّهار، كان عليّ أنْ أتقُنَ فنَّ العبورِ بنفسي، فإذا بها رحلتي الأولى إلى مدنِ الالهةِ الأولى ونقاط الوصلِ بينَ عالمينِ ومتنٌ يؤنس براحاً بات ضرورياً للحياة، لذا أُخبركَ مِن رحلةِ الكلامِ التي رتّبتُها بإتقانٍ غير عابرٍ.
صباح الخير، في اسطنبول، وفي اللّيالي الماضية التي كادت تقتلُ روحي، أدركتُ الشيء الذي جمعَ العربَ والتّركمان والاكراد والافغانَ والفرسَ واليونانيينَ والمغاربة في هذه المدينةِ الظّالمةِ… البعضُ ممن سبقوني إلى بلادِ الثّلجِ هُزِمَ إما بالانتظارِ، أو بالاندماج، أو بالتّنصلِ عن هُويتهِ. المصائرُ تتشابهُ، وأنتَ مَنْ أخبرني يوماً: عليكِ أنْ تختاري مَنْ تكونين؟ وماذا تريدينَ؟
إذن، عليّ البدء برحلةٍ جديدةٍ إلى مُدنٍ تشبهني… إلى مُدنٍ تستريحُ على الأزرقِ، على ذلك البحرِ الذي أنجبني، إلى المتوسّط.
في جنوبِ البحرِ، على طولِ سواحلِ الأميرة نورميدا وعلى الضّفةِ الأُخرى قبالةَ شواطئ ليبيا جرتْ معاركَ حربيةٍ بينَ العثمانيين، بقيادة القبطان بربروسا قائد الأسطول العثماني، في مواجهةِ الصّليبيين وفرسان مالطا والأسبان ومِن ثمّ الأمريكان في القرن التّاسع عشر وحتى عصرنا هذا، وربما ستستمرّ هذه المعارك لأعوامٍ أُخرى طويلةٍ.
في حياةِ كلِّ منّا حزنٌ ملعونٌ يضعهُ في تابوتٍ ويدفنهُ في مقبرةِ ذاكرته طِوالَ الصّباحِ، لكنّه ينهضُ ليلاً ليمتصّ دمهُ.
في صيف عام ١٨٣٥ قرّرَ السّلطان العثماني التّدخلَ مباشرةً في ليبا وإعادتها إلى حكمه، فألقى القبضَ على حاكمِ ليبيا المحلي علي باشا المانلي وأعدمه في ساحةِ اسطنبول لجراءته في مواجهة السّلطنة، تفاءل اللّيبيونَ يومذاك خيراً بعودةِ الأتراك العثمانيون ورأوا فيهم حُماةً لهم ضد مخاطرِ الفرنسيين في الجزائر وتونس، وحائط صد ضدّ محمد علي باشا ودولته في مصر، وبعد معاركٍ طويلةٍ في شواطئ بحر ايجه، وفي موقعة “نزيب” عام ١٨٣٩ سلّم القائد العثماني واستسلم للجيش المصري.
كيف أُخبركَ بكلِّ هذا التّاريخ وأنت تسكنُ بلادَ الثّلج بين أوراقِكَ وكتبِكَ ورسائلي ولا تعرفُ عن بلادنا غير اسمك ومدينتك بغداد، فيما تقبضُ بين راحتيكَ وروحكَ لغةً جذرها في الأرضِ وفرعها باسق في السّماء.
تنتابني بين الفينةِ والأُخرى مساحاتٍ مِنَ الصّمتِ وفقدان الرّغبةِ للاستيقاظِ، أبقى في المناماتِ وأمشي بين الرّوحِ أفتحُ الأبوابَ المغلقةَ… أخبرتني ذاتَ اتصالٍ هاتفي أنْ لا أفتحَ الصّناديقَ، فلا أحد يجعلكِ بأحسنِ حالٍ سواكِ، فلِمَ كلُّ هذا البحث؟
أعرفُ تماماً كما كفافيس الشّاعر اليوناني أنّ حياتي لن تعودَ كما كانت، ربما يفنى عُمري بحثاً عن لمحةٍ مُشابهةٍ لما رأيت؛ فإنْ أُطرَد مِن جنّةِ أحدهم، فذلك يعني أنّ لعنةً ستظلُ تُطاردني إلى الأبد، وعليّ التّوقف.
لا تخف فأنا قويّةٌ… كلُّ ما أُريدهُ هو الطّيران… أُريدُ أنْ أُحلّقَ بعيدا… بعيداً لكي أرى النّورَ، فأولئكَ الذين قفزوا مِن بناياتٍ عاليةٍ، كانوا يحاولونَ الطّيرانَ لا أكثر، أمّا الذين أطلقوا النّار على رؤوسِهم، كانوا يحاولونَ الهروبَ خارج أجسادِهم عبر فتحةٍ تصنعُها الرّصاصة.
كلُّ الشّهداء الذين زيّنوا كنعان بلونٍ أرجواني كانوا يريدونَ أنْ ينسجوا الحكاياتِ والسّجادَ والملابسَ على شواطىء يافا وقيسارية وصور وصيدون. الكنعانيّون استخرجوا مِن الأصدافِ أصباغَ الأرجوان، إذ قاموا بتقطيرِ المادة الصّبغية مِنَ المحارِ وهو حي.. عمليةٌ شاقةٌ دون شكّ، ولكن هل بوسعنا أنْ نتخيّلَ العالم بدون هذا اللّونِ الارجواني؟!
هيلانة طروادةِ، وكليوبترا مصرَ، وأباطرة رومان كانوا يتفاخرونَ بلبسِ الأرجوان الكنعانيّ، وكرادلةُ الكاثوليك، وبطاركةُ الكنائسِ المشرقيةِ يلبسون إلى اليوم ملابس أرجوانية اللّونِ، كاستمرارٍ للتّقليدِ الكنعانيّ القديم، بينما لا تزال عمائمُ مشايخ المسلمينَ المقربينَ مِن السّلطاتِ، وشيخ الأزهر، تحافظُ على أرجوانيّة التّقليدِ الكنعانيّ، أمّا أحبارُ وكهنةُ الطّائفةِ السّامريةِ في نابلس فلسطين، فعمائمهم تحافظُ على الأرجوان ذاته؛ الطّربوش العثمانيّ، أخذَ أيضاً في غالبيةِ أشكاله، اللّون الأرجواني! ولا يزالُ السّجّادُ الذي يُفرشُ للزّعماءَ والقادةِ في زياراتهم الرّسمية أرجوانيّ اللّونِ. الأرجوان ليس لون الدّم، بل هو لونُ الحياةِ… النّاسُ يخطئونَ بأحكامهم دوماً!
لن أُطيلَ عليكَ.. قم وادخل معي إلى الأزرق، مدينة الإله بوسيدون التي تتكئ على الضّفةِ اليسرى لنهر العاصي، بينما تستريح على شاطئ البحر المتوسط في لواء الإسكندرون الذي كان دوماً محل أطماعِ المتصارعينَ، إذ هي مفتاح البلاد، احتلها السّاسانيون والرّومان والصّلبيون والمغول والاتراك والفرنسيون ولم تعُدْ إلى حلب حتى يومنا هذا.
الشّوقُ هو وحدةُ قياس المسافة بين جسدينِ ملتصقينِ: حلب-الإسكندرونة… غضِبَ بوسيديون وغابَ في انطاكية وذهبتْ الشّام بعيداً في حروبِ أهلها.
في متحفِ أنطاكيا الكبير اشتريتُ تمائم الإله بوسيدون، وسأحملُ أختامه معي في أسفاري القادمة. كانت جريمته أنّه أسرى حبيبته الأميرة الحبشية نورميدا في مدينتي يافا، وهامت روحه في المتوسط وتوارى في أنطاكيا.
هناك عرفتُ ألا أنتظرَ شيئا، فالحظُ لا يصيبُ إلا الأهدافَ المتحرّكةَ.
أتتني رسالةُ أمّي الصّباحية التي تلازمني منذ أنْ وطئت قدماي أرض الأتراك: أيها الصّباح، استوصيك خيراً بمن خذلهم الأمس، كنْ ممرّاً آمناً للغد، واترك لنا شيئاً يُساعدنا على التّشبّثِ بالحياةِ.
عزيزي كُن بخير، ولا تنتظر رسائلي القادمة وأنت جالسٌ على مقعدك الوثير… فالرّسائلُ مشغولةٌ بالبحثِ عني.