طعم الوصول | عماد فؤاد: لم يكن خطأً يا آدم

لأنه وصل لكنه لم يذق طعم الوصول – اللاجئ يحكي، سركون بولص

Brussels, London / 1746. Source: raremaps.com

لو سألني أحد عن معنى كلمة فن، فسوف أجيب: “يد أمّي وهي تطبخ”
ولو طُلب منِّي أن أقول شِعراً، لرفعت ملعقة وقلت: “تذوَّق”
أوّل رائحة علقت بأنفي فصرت أتشهّاها مذ كنت طفلاً، كانت صدر أمي، تحملني على بطنها بيد، لتنحني قاطفة باليد الأخرى ثمر الطماطم من أرض خضراء في ظهيرة مشمسة، كانت تقيني حر الشمس بطرحتها المفرودة على رأسي، وأنفي يتشمم في الظل رائحة حلوة لثمر يانع
اليوم، وأينما كنت، لا أنتظر العودة إلى البيت حتى أفتح كيس الطماطم أو علبته بعد خروجي من أي سوبر ماركت، أتناول عنقود الثمر وأتشمم الرائحة، وحين أجدها غامرة أغمض عيني وأنا أتنفسها طويلاً. وحين لا أجدها، ألعن التمدّن الذي أوصلنا إلى ثمر بلا طعم ولا رائحة
صرتُ اليوم حين أتعبُ، أغمضُ عينيَّ وأعود إلى مشهدٍ بعيد، أفتحُ فيه عينيَّ طفلاً في الثامنة أو التاسعة، على نور فجر مضبّب في قرية بعيدة، حيث لم تشرق الشمس بعد، إحدى خالاتي تفتح باب الدار الخشبي الكبير، فيصرّ الباب مع تحرّك ثقله الخشبي على مفصَّلاته الحديديّة الصّدئة، وخالة أخرى تكنس حصيرة القشّ المفرودة على الأرض في بهو الدار، وثالثة تشعل “المنقد” قبل أن تحمله بين يديها، مبعدة وجهها إلى أقصى درجة كي لا يطولها اللهب، لتضعه في منتصف الحصيرة بعد أن كُنستْ
أقاوم كسلي مستجيباً لنداءات خالاتي لأنّنا “بقينا الضُّهر”، فأهرع زحفاً من السرير لأجلس بقرب النار، علّ الدفء يوقظني
هكذا أفهم اليوم معنى كلمة “الغربة”، المسافة بين مكاني الآن وبين هذا المشهد، لها طعم مرّ لا يلخّصه سوى هذه الكلمة، في فيلم عرق البلح ثمّة جملة مبحوحة تخرج من فم امرأة قبل الأغنية الشهيرة وهي تقول: “نوح يا غراب ع اللي قتلته الغربة… نوح يا غراب ع اللي قتلته الغربة”، حين سمعتها أوّل مرّة ارتجفت، الصورة وحدها موجعة، لكن آلمني أكثر هذا التشابه الغريب بين كلمتي “غُراب”.. و”غُرْبة”
منذ ستّة عشر عاماً وأنا هنا، قلت ليكن، كما مُدَّت جذوري بلا مشيئة منِّي هناك، أمدّها هنا بمشيئتي، وكان أن بقيت، أراوح أحياناً بين المطارات والمدن، لكن ظهري مسنود إلى مكان بعيد، بيتي الذي لا يزال هناك، الجذور الحية التي تركتها خلفي، أنتمي إليها وتنتمي لي
الغربة داخلنا جميعاً، سواء بقينا في أماكننا أو غادرناها، لطالما شبّهت المدن بالنساء، ثمّة مدن باردة مهما كانت جميلة، وثمّة مدن توقعك في غرامها هكذا دون أن تفهم السبب، لذا آمنت بأن المكان دون أهله لا يعوّل عليه، تتحوّل دونهم الجدران إلى خراب
في يوم ما، أُمرنا، نحن الأطفال، بجلب جوال صغير من الكتب القديمة من سطح الدار إلى خالتنا أمام الفرن، كانت كتباً وكراريس ممزقّة أو تالفة، فتحنا الجوال أمام يدي خالتي فبدأت تتناول الورق وتدفعه إلى النيران، حينها سقطت بين يدي فسيلة متبقية من كتاب، أذكر حتى اليوم الطباعة الفاخرة للورق الملوّن المصقول، كانت القصة مبتورة وتعلو كل صفحة رسمة لنبتة ما، قرأت ولم أفهم، كان هناك جزء سابق مفقود وجزء لاحق لا وجود له، والحكاية عن شجرة غامضة نبتت في غيط فلاح، فكانت لدهشته تنبت كل أنواع الثمار، الطماطم والتفاح، الباذنجان والمانجو، والقمح والذرة في الغصن المجاور للرمان والعنب
لم أكن أعرف حينها، أن هذه الفسيلة ستكون كنزي الذي سأحتفظ به في مخيّلتي حتى يومنا هذا، منذ هذه اللحظة ربط عقلي بشكل لاواع بين الكتب وفكرة النقصان، صار كل كتاب ناقص حتى لو اكتمل، وكل قصة مبتورة حتى ولو رويت. وحتى اليوم، ما زلت أبحث عن الجزء المفقود من الكتاب، وأكتب كمن يرمّم حكاية ناقصة قبل أن تأكلها النيران
في السنوات الأخيرة شعرت أن الوجود الذي صنعته هنا سيبقى طارئاً ولو إلى حين، يوماً ما سأعود إلى المكان الذي غادرته صغيراً، حيث لا شيء له معنى دون “أهل”. في روايتها الأخيرة “١٠ دقائق و٣٨ ثانية في هذا العالم الغريب”، تُفرّق إليف شفق بين عائلة الدم وعائلة الماء، الدم هو أهلنا الذين لم نخترهم، والماء عائلتنا التي كوّناها من أصدقائنا، حصادنا من الحياة
حاولت أكثر من مرة أن أزرع شجراً في بيتي ويموت، وكلما ماتت شجرة زرعت غيرها، حتى أيقنت أن شمس الشمال ليست شمس الجنوب، فبدأت أزرع المزيد من أشجار ونباتات الظل
ولم أستسلم، كلما أعلنت نبتة الغاردينيا عن وردة جديدة، نظرت شاكراً إلى يديّ
يسألني ابني: “لو خيرت فأين تعيش؟”، وقبل أن أفكر في إجابة، تملأ أنفي رائحة ثمر الطماطم المقطوف للتو، وأسمع صدر أمي يعلو ويهبط وأنا نائم على كتفها
٤٥ عاماً، بنيت بيتاً وزرعت شجرة وأنجبت صبيين ولويت لساني، وسنة بعد أخرى كنت أفعل ما يجب عليّ فعله، ليتّسع البيت وتثمر الشجرة ويشتدّ عودهما، حتى صار بإمكاني أن أضع ذراعيّ على كتفيهما ونحن نسير، أو أطلب ثمرة من الشجرة، فيلتقطها آدم ويمنحها لي وهو يغمزني “هذه ليست تفاحة يا أبي”
الخروج من الجنّة لم يكن خطأ يا آدم، بل سبباً في التجربة
هكذا أفكّر وأنا أفتح باب بيتي هنا لأزيل ثلوج الشتاء، فأحن إلى دفء صباح بعيد، كان يتسرّب إلى جسدي بمجرّد أن أفتح أصابعي فوق اللهب