نهال الهجين: الساعة

1315 rendition of “Design for the Water Clock of the Peacocks” from the Book of the Knowledge of Ingenious Mechanical Devices by Badi al-Zaman ibn al-Razzaz al-Jazari (1136–1206). Source: metmuseum.org

كان بيليق على أمي الذهب علشان بشرتها بيضاء، وأنا بيليق عليا الفضة أكتر علشان طالعة سمراء لأبويَ. جبت لها ساعات كتير في مناسبات ياما، بس فضلت عايزة تاخد الساعة الفضي بتاعتي لأنها عاجباها أكتر من كل الساعات الذهبي اللي عندها. علمًا بأن الساعة دي كانت هدية من طنط چيهان، صاحبتها اللي نافستها من غير قصد على مكانة الأمومة في حياتي.
أمي شالت الساعة الفضي بتاعتي في درج الشيفونيرة مع مقتنيات بتحبها، بعد ما تجنبت الخلافات وإديتهالها حقناً للدماء وخلاص. حاولت كتير أحرك الساعة من مكانها يمكن تنساها، لكن كانت دايمًا تسألني عليها وتنزعج من احتمال إني أعوز أستلفها. صوتها وتعبيراتها واختيارها للكلام كانوا بيقولوا إنها بتحب شكلها حقيقي، لكن الموقف كان شائك شوية. هل ممكن تكون كانت بالذكاء والخبث الكافي إنها تتدعي كل ده علشان ما ألبسش الساعة دي بالذات؟ هل ممكن كل الأداء المتقن ده يكون علشان ما ألبسش قدامها هدية جميلة لايقة عليا علشان بتفكرها بعلاقتي الحلوة بطنط چيهان؟ ولا يمكن أنا المهووسة وإديت الموقف أكتر من حجمه؟
فقت على إن اتنين من معارفنا فاتوا من قدامي وواحدة فيهم مكرمشة حاجة كبيرة زرقاء في إيديها. التاني كان سابقها بخطوة صغيرة علشان يداري على اللي في إيدها. أدركت إنها هدوم أمي اللي كانت لابساها لما جبتها المستشفى، وإن البنت كانت بتساعد في تغسيلها دلوقتي فأخدت هدومها تغسلها على الأغلب. معرفش الناس بتجيب منين الحكمة والقوة علشان يعرفوا حيعملوا إيه بالظبط في اللحظات الغريبة دي. أول ما شخص يموت، بنبقى لسه بنستوعب إنه مبقاش موجود، ولا سامع ولا شايف ولا حاسس بحاجة، بنستوعب إن عمره خلص ومش حيعمل كل اللي كان مستني يعمله، ومش حيبقى جنبنا في كل اللي كنا مستنينه يبقى جنبنا فيه. أفكار تقيلة وغريبة بتتوالى علينا في وقت محتاج تصرفات عملية، ما بين ورق رسمي وتغسيل وتكفين ودفن ومكالمات للأقارب والغاليين علشان يودعوا اللي مات ويصلوا عليه.
المفروض أعمل نفسي مخدتش بالي من اللي كانوا معارفي معديين شايلينه علشان ميبقوش فشلوا في التخفيف عني ومواراة التفاصيل اللي بتحصل جوا. بينما أنا كنت سرحانة بافكر في اللحظة الغريبة دي: واحدة جالها نوبة قلق، خافت، سابت العربية وعدت الدائري بسرعة جنونية علشان تركب تاكسي وتروح بيتها حالا، وقفته، وهي بتركب خبطت راسها حاجة بسيطة، فقدت وعيها، فاقت في التاكسي قعدت تشهق، لونها راح، ماتت. قالولي في المستشفى إن قلبها كان وقف. الله؟ طب إمتى؟ دي جالها حسب كلامها نوبة قلق، خافت، سابت العربية وعدت الدائري بسرعة، وقفت تاكسي، وهي بتركب خبطت راسها حاجة بسيطة، فقدت وعيها، فاقت في التاكسي قعدت تشهق، لونها راح، ماتت. وقف إمتى في كل ده ولا كان ماله في كل الأحداث دي؟ ومحدش بيفهمني ليه؟ هي الحكاية مش مهمة علشان الست ماتت خلاص؟ طب ما أنا عايزة أفهم! ده أنا مكانش باقيلي غيرها، فتروح قدامي فجأة واللحظة دي تعدي وتغير كل حاجة من غير ما يبقالها حكاية أفهمها؟ إزاي يعني؟
معرفش كانت الساعة كام أما خافت، ولا أما قالولي إن قلبها وقف. بس كان أطول وأوسخ غروب عدى عليا في حياتي. شبه نهاية العالم قوي، إحنا فوق أرض مرتفعة والشمس بتغرب في الأفق ببطء يسلخ القلب من الصدر، وأمي بتشهق وأنا مش فاهمة بيحصل لها إيه. بس فالحين يعلمونا في المدارس حاجات تشغلنا ومعلموناش إسعافات أولية تعيّشنا.
غريب إن هي كمان مكانتش فاكرة أنا اتولدت إمتى. فاكرة إنها قالتلي إني اتولدت المغرب علشان كان يوم صيام في رمضان فجابتها بالتقريب. معرفش ليه عايزة أعرف الساعة كام بالظبط كان أول نفس ليا. والساعة كام بالظبط كان آخر نفس ليها. زحفة عقرب لنقطة جديدة حطت كل حد فينا في مكان تاني، وغيرت للتاني حياته تمامًا.
فجأة خيال ملا الصورة قدامي، قعدت أبربش علشان الزغللة تروق لقيتها البنت اللي كانت شايلة الهدوم متكومة. معاها شنطة ماما وبتقوللي أخليها معايا، إلا يعني لو مش قادرة وعايزاها تشيلها. رفعت إيدي من على رجلي علشان تسيبها مكانها فا سابتها ومسكت إيدي سندتها بيها، ومشيت وهي بتبص على إيدي بحذر.
الساعة بقى اللي كانت أمي لابساها كانت في الشنطة، ساعة من ساعاتها الذهبي اللي جاتلها هدية من حد تاني. كانت شبه اللي أنا جبتهالها أصلاً، يعني هي لا لبست اللي خدتها مني (الغالية عليا) ولا اللي جبتهالها (اللي المفروض تبقى غالية عليها). يعني أنا ضحيت بحاجة قيمة، وبوقت علشان أجيب حاجة تانية، وكل ده يتجمع في درج شيفونيرة، وحاجة تانية خالص اللي ترضيها وتحب تلبسها. غريبة قوي.
طلعنا بيها ع المدافن. كل أهلي مدفونين في المدفن ده قرايب ونسايب، منهم ناس الفرق بين وفاتهم شهور، جروح لسه ملحقتش ألمها. مدفن مبلحقش أزوره غير لوداع حد تاني. لكن كل ده مكانش في بالي. كنت عمالة أفكر هي ليه ملبستش الساعات المركونة. بصيت عالساعة الذهبي في إيدي وهم بيردموا وبيدعوا، كفوف كتير بتلمسني تطبطب عليا بشكل مزعج ومصعب عليا التركيز والتماسك. والساعة شغالة. لو كانت بتشتغل بالنبض كان زماني عرفت وقفت إمتى بالظبط وارتحت.
روّحت، قلعت الجزمة وفضلت بنفس اللبس قاعدة شوية. قعدت في مكاني كام ساعة علشان محدش يركز معايا ويقول إن جالي هوس. وأول ما حسيت الوقت مناسب قمت طلعت الساعة الذهبي من شنطتها، ودخلت جبت ساعتي الفضي اللي في الشيفونيرة عندها، حطيتهم في أول علبة معدن في وشي. جيت آخد باقي ساعاتها أجمعهم في مكان واحد حسيت كأن بطني اتفعصت وكل اللي فيها بيهاجم حلقي، قمت سايباهم وماشية.
دخلت أوضتي، حطيت معاهم ساعة الجيب بتاعة بابا وساعة جدتي البرونز القديمة، كانوا واقفين من يوم ما لقيتهم. قفلت عليهم كلهم العلبة.
كل شهر كنت أفتح أبص عليهم أشوف لسه شغالين ولا لأ. لحد ما ساعتي الفضي وقفت في نفس السنة. وساعتها الذهبي وقفت في بداية السنة اللي بعدها. لقيتني ارتحت! إرتحت ليه؟ يمكن كان شيء مربك جدًا إن الساعة شغالة بعد ما صاحبتها ماتت بشهور طويلة. بتحسب إيه؟ رغم إن الساعات وقفت في مواعيد عشوائية، بس أول ما وقفت حسيت كل حاجة بقت في مكانها. كان فيها إيه إنهم شغالين لسه؟ ما أنا شفتها قدامي بتموت ومستوعبة، مستنية حاجتها تقوللي إنها ماتت ليه؟ من يومها مغيرتش بطارية ولا ساعة في ساعاتي الشخصية وسيبتها تقف ساعة ورا التانية، ومفتحتش علبة ساعات العيلة تاني أبدًا.