إيمان السباعي: كما في الحرب

“Love Punished”. fresco from Pompeii, Naples Archaeological Museum. Source: flickr.com/70125105@N06/

هذه الشقة صحراء
تنقطع الكهرباء فتلمع عيون الذئاب
أحدهم يرفع الأغطية
ثعبانٌ طريّ يتحرك حولي
تُفتح الشرفة فتدخل فرقة بدائية بموسيقاها
وإلهٌ من لحمٍ ودم يسقط على الفراش.

الاستيقاظ في بيت غريب
تدريب جيد على التخلص من ولعك بالمرآة
فمرآة الغريب لا تعكس سوى صورة صاحبها
أنا خائفة
أحاول الاحتفاظ بصورة وجهي في الذاكرة
حتى أتعرف عليه عندما أعود إلى البيت
أما جسدي
فهو جسد الغريب
عار ونيء بين أسناني.

أنا معلقة من قدميّ وتحتي بركان
أنا مقيدة اليدين ورأسي بين فخذيّ
عرقي ساخن ورائحتي حامضة
كرائحة العذاب في جوفك
“تحدثي إليّ”
تقول
وأنت تقذف كائناتك الكرنفالية في وجهي
الكلمات الملعونة
الكلمات الحارقة
حلقي جاف ولساني مشقوق
هذا الفحيح هو الحب!

وأنت داخلي سأبكي
وأتذكر النسيان
أتذكر جنيني الميت في دمي
لم ينجذب طفلي للمرايا
كان يتجنب المرور أمامها كأنه وحده
من يمكنه رؤية شياطين مخيفة تسكنها
عندما استطاع أن يصوب كرةً
كانت المرآة ضحيته
احتاج الأمر إلى أكثر من مرآة
حتى أعتادَ على مرايا البيت المهشمة
أتأمل صورتي الغريبةَ فيها
ألا تشبه صورةً فوتوغرافية مزقها شخصٌ غاضب
ثم أعاد تجميع أجزائها؟

أعرف أنني أخبرتك بهذا من قبل
أنا أكره جسدي
جسد الطفلة الذي انفتح لأصابع مدرس الموسيقى
وتلصص على محاولات الجارة استثارة الزوج الأعمى
مرةً، خلعت ملابسي ونمت مع جثة رجل في الجريدة
تخيلته يعتليني قبل أن تضرب القذيفة بيته.
لماذا لا أستطيع أن أنسى
النظرات الشبقة للتماثيل؟

هذه الشقة صحراء
وأنا أريد أن أذهب معك إلى شقة في حيّ سكنيّ
تتوسطها سجادة كثيفة تبلع أقدامنا
ويطل منها قطيع أُسود يطارد غزالة
أريد أن أتعلق بظهرك وتحملني كغوريلا
وأن يمحو ضجيج الشارع لهاثي وصرخاتي كلها.
كما تحب
ستكون الجدران من زجاج
رأيت هذا في فيلم:
جسدان عاريان يلتحمان والسجناء يلوحون لهما
ويشجعونهما على الاستمرار بإشاراتٍ بذيئة.

أنا لست خائفة يا راسبوتين
أنا لست خائفة يا دو ساد
كل ما في الأمر أنني سأتقيأ!

لماذا نقول الشقة ولا نقول البيت
لأن البيت يجب أن تكون له حديقة
ويجب أن يكون به طفل يبكي في حجرته عندما يعنّفه أبوه
طفل شرير يخنق القطة البيضاء المسكينة
هذه القطة هي كل ما تبقى لي
قطعوا لسانها وما زالت تموء في الليل
وهي تشاهدني أفرغ مائي بيدي
ثم أبكي.

أحب أن تلجني حتى أنقّط دمي في البانيو
وأتركه يختلط بالماء فيصبح لونه ورديًّا
كمثل فم دجاجة
ساقاي لن تحملاني طويلاً
بعد أن انهارت فوقهما كل هذه المنازل
يرتعشان فأستند إلى السيراميك
تلسعني البرودة وأنا ألتقط صورًا لأظافري تحكُّ جلدي
عروقك نافرة يا حبيبي
هل تؤلمك
هل تنفجر وتلطخ السقف؟
سأقضي ليلتي كلها في تنظيف البقع الزرقاء
مختنقة برائحة الديتول
وأنا أغني للحب.

تزعجني المسافة بين يدي وكأس الماء
أمد ذراعي حتى آخرها ولا أطاله
وأظل أفكر في ظمأي
وأبلل شفتيّ الجافتين بلساني
أريد أن أترك السرير وأمشي إلى أن أصل إليه
لكن التفكير يغريني بالمزيد من التفكير
والشرخ في حلقي يمنعني من مناداتك لإنقاذي
أستسلمُ
وأشعر أن مشاهدة الماء في الكأس متعة حقيقية
وأنني لو متُّ الآن سأكون سعيدة حقًّا.

لماذا لا نعيش في فندق بُني على أنقاض حيّ دُمّر في القصف؟
أو نعيش في سيارة؟
سنرفع صوت الموسيقى
ونتجاهل الموتى الذي يلوّحون لنا على الطرق السريعة
أسنانهم صفراء ورائحتهم نتنة وفي عيونهم فزع
بمرور الوقت، لن نشعر بالذنب
سنتجاوز هذا كله وننام بعمق على سرير نظيف
كان لعروسين تزوجا حديثًا
سوف أستيقظ في الليل وأحدق في عيني سمكة الزينة
ثم أتأملك نائمًا
أنت الصبي الفاتن في رواية Death in Venice
أمد يدي بين ساقيك وأتلوى من الألم وأموت
أمد يدي بين ساقيّ وألمس هذا الدمل الصغير
كزهرة نابتة
فيعتلّ وينكمش تحت جلدي

أشعر بتوتراته الواهنة داخلي
أحبس أنفاسي من الخوف وأتشبث بجسدك
جسد الطفل
جسد الصبي
جسد الرجل
جسد المرأة.
لا يوجد مكان أشد كآبة من غرفة في فندق بُني حديثًا
لا يوجد مكان أكثر رعبًا من سيارة على طريق سريع
لا مكان  سوى هذا الجسد.