محمود حمدي: نافذة مضادة للوحشة

Jonas Bendiksen, Uzbekistan, 2002. Source: magnumphotos.com

(١)
منذ سكني في هذه الشقة، لم أع يومًا فُتحت فيه النافذة الموازية في المبنى المقابل. كنت قد اعتدتُ انغلاقها الكئيب، الغبارَ الذي يكسو ضلفتيها الخشبيتين. وكآبة محياها في نفسي. لكن مرةً في الليل وعندما كنتُ استعيد أحداث يومي على أطلال أم كلثوم، مع كوب شاي، أبصرت النافذة مشرعةً ذراعيها للفضاءِ من حولها، وكقلبٍ عاوتده الحياة، انتفضت أحشاؤها يالحركة. كانت قريبةً للدرجةِ التي تسمحُ لي باصطياد من في داخلها لتحيته.
(٢)
لم تكن سجيتي مشوبةً بالفضول، لكنَ بي عطشًا إلى الحديث. توالت عليّ فترات من الصمت، جففت حلقي. رحتُ أسبح بخيالي، مندفعًا بشغفِ اللقاءات الأولى وبقلقه. احترتُ في اختيار مداخل الحديث، تخيلتُ غريبًا، بلا هوية محددة، فقط أعين وآذان وإصغاء لما قد أقوله، رغم أني أجهل ماهيةَ قولي؛ فربما كان الغريبُ متحفظًا لا تُنسجُ الأحاديث معه بسهولة، أو مقتصدًا أحرفه بنيةِ إنفاقها على نافذةٍ أخرى، أو متعصبًا لأن عينًا اقتحمتهُ بلا خجل ومن اليوم الأول. وربما كان مشدودًا إلى نفسهِ للدرجةِ التي تقلقهُ فيها تحيةُ نافذةٍ تطفو في الجسدِ الإسمنتي المقابل. كانت المباني متماثلة، وفي لحظةٍ اكتُنِز فيها الوجود إلى المبنيين. كانا كشقيقينِ يتكاتفان أمام اختراق الشوارع والحواري لوحدتهما. خمنتُ أن شقةَ الغريب تماثلُ شقتي. وتأكدتُ عندما لمحتُ أثاثًا يتموضعُ في مكان مألوف البنية، كانت هويةُ المكان الهندسية مطابقة لشقتي، الأجساد الساكنة، من أساس البنيان، في الشقةِ الأخرى، هيّ نفسها. طالت تخميناتي، حتى قُطعت بطلّةِ الغريب. كانت شابةً في عمرٍ قريب، تصغرني بقليلٍ، ربما. بدا لي أنها برؤيتي قد اقتربت من الدهشة، كما لو أن تحديقي كان سؤالًا فلسفيًا.  محتضنةً كوبًا دافئًا في يديها، تتصاعدُ أبخرته نحو وجهها الذي غدا أكثرَ ألفةً بمرور الثواني، شعرها محكمُ الاستدارةِ، مربوطٌ شكل كحكةٍ، كانت ترتدي كنزةً أرجوانية برقبةٍ عالية. سعدتُ لرؤيتها لكن لم أتمكن من تحديد أي معلومةٍ إضافية، وكما لو أنها اختارت أسهلَ أجوبتها، تبسمت لتأملي المطول والمفضوح لنافذتها، وأغلقت النافذة بهدوء.
لم أشعر بالخجل – تابع الذنب – فصِنو يومي هو هذه العادة، أستمعُ إلى ما تيسر من الموسيقى، وأتسلى بإعادة أيامي كشريط ڤيديو قديم، وممارسةِ الاحتمالات عليه. لكن سرعان ما أصابتني حيرةْ، دبت التساؤلاتِ في عقلي، تسلَلتْ بخفةٍ حتى تمكنتْ. ماذا لو أدركت هيّ ذلك واختارت الامتناع عن مشاركتي، أعني ماذا لو أصبتها بالقلق؟ شعرتُ بأن هذا دافعًا لعدم الراحة. أعترف أنني أطلتُ التحديق، كنت في غيبوبةٍ عن جسدي، لربما كنتُ ظاهرًا بمظهرٍ فضوليّ يثير القلق والريبة. عينٌ زائغة وثابتة تطالب بالإجابة، قامةٌ مائلة نحو المزيد من التفاصيل، يدٌ مرتبكة. انزعجت، للحظةٍ شعرتُ أنها قد تغيب، وبهذا ستتوقف الألفة المرتجاةُ عن النمو. أنهيتُ كوب الشاي قبل أن يبرد، أغلقت النافذة، وقمتُ بالتجول في الشقة للتأكد من استقرار كل شئ في مكانه. الأشياءُ على حالها على أيةِ حال، فالمنزل خالٍ تمامًا. حتى مني.
(٣)
في الصباح التالي كنتُ قد استعددتُ ليومٍ جديد، كنت في إجازةٍ طويلة من العمل، نتيجة إرهاقٍ دام أربعة أيامٍ متتالية، أصابني وبلا أسباب تُشفى، على إثر ملاحظتها قرر رئيسي أن يمنحني انطلاقةً إلى السرير – على حد تعبيره – للراحة. استثمرتُ الأوقات الواسعة من يومي في الهرب. كتب وموسيقى وكتابة. مبررًا وحدتي بأنني لم أنجح في استثمار صداقات خارج عملي. بعد إفطارٍ سريع، فتحتُ النافذة متغافلًا – رغم توقي – عن ما قد أجده، وكأنني أفعل هذا كل يوم، ورغم صدقي! شعرتُ وكأن حركاتي مشوبة. شيء ما قد تغير منذ الأمس. أصبحَ نهاري بكل طقوسه ماثلًا أمامي بشبهةٍ ما. غادرَ الصفو أفعالي واحتشد عليها القلق. كانت النافذةُ المقابلة – ويا لفرحتي – مفتوحة. لم أستغرق النظر، لاحظتُ ترتيبًا منظمًا أكثر لما رأيته من مشهدٍ سابق. كانت الغريبةُ الأليفة قد جاءت لتبقى! وضعتُ الكرسيّ الخشبي أمام النافذة، أسندت أسفله بقطعةِ خشب؛ حتى لا يهتز، وأسندتُ نفسي كتابًا أخرجته بالأمسِ للقراءة الصباحية، جاورته بكوب شاي، ثم جلست. كنتُ أتصفحُ الكتاب محاولًا الاستغراق، لكنَ شيئاً ما، هاجسا ما يمنعني من الخوض في أعماق الأسطر. مطرودٌ من سياق النص، كأن بيني وبين الكتابِ وعالمه، لوحٌ من زجاج. سرعان ما تمثلَ لي المكان الصحيح في النافذةِ المقابلة،  كانت تشغلُ تفكيري، في البدءِ متسللةً، لكن سرعانَ ما تحسستُ حضورَها في ذهني وإذا بها تتشكل! يكادُ طيفُها يصير ملموسًا، تلتفُ من حولي، تضعُ يدها على كتفي، ترتخي بنعومةٍ وارتياح. نهضتُ من فوري، غارقًا في لجةٍ من الإرتباك، أغلقت النافذة. دُرت في أنحاءِ البيت، كانت تطاردني بسؤاليَ عنها، يا ترى ما بديل مكتبتي في منزلها؟ هل نتشاركُ ذوقًا في الموسيقى؟ هل تضعُ الأحذية في نفسِ المكان، أم أنها قد رأت مكانًا مناسبًا بخلاف الزاوية الواسعة وراء الباب؟ بدأتُ أبحثُ عنها في أسئلةٍ داخلي، في تفضيلاتي الشخصية. حاصرَتْني بفضوليّ الشخصي، كنتُ جائعًا لآخرَ يسدُ احتياجي، لم أجد سببًا لهذا الفضول سوى الوحشة. في لحظةٍ خاطفة، كأنني دستُ على مسمار، تذكرتُ حبيبتي السابقة، تذكرتُ خيبتنا في السير جنبًا إلى جنب، تحسستُ ندبة غيابها على قلبي، لم أتجاوز رحيلها سوى بالاعتراف بهذه الندبة كمولودٍ شرعي، خضتُ حربًا لأتقبل وجودها. ومن ثم شفيت، أو هكذا أظن. ضقتِ ذرعًا بالأفكار التي تتوالد من رحمِ بعضها البعض، أطفأتُ الأنوار، خرجتُ من البابِ وأغلقته. تاركًا سربًا من الذكريات يزدحم من ورائه. ومن ثم إلى الشارع.
(٤)
كانت أضواءُ المدينة تستثيرُ أعصابي، لم أُجِد التصالح معها في المشي وحيدًا، كنت أعتمدُ في وجهتي على مرافقيّ في المشي، وجهيِ في الأرض دائمًا، أراقبُ به خطواتِ الناس، تعثراتهم وحيرةَ أقدامهم أمام الشوارعِ ومداخلها، المدينة تبتلعُ الأسئلةَ وسائليها، كأنها منهاجٌ فلسفيّ، بعيدًا عن القريةِ المطمئنة، كجدتي، الشوارع فيها هادئةٌ تبتسم في وجهِ العابر. في الضوضاء، أمشي ويدي مرفوعةٌ إلى عيني، أتقي بها شرَ الضوءِ الصارخ، تساءلت عن جدوى هذه الجولة. فكرت، لو أنني أعملِ بالليل، لاخترتُ سردابًا للعمل فيه ومواعيد تبدأ وتنتهي بالشمس. اخترتُ زاويةً هادئة في حديقة خافتةِ الضوء، كانت قدماي تبصران الطريق، أتحسسهُ بخطواتي، ودون الحاجةِ للعدسات، منهما أستطيعُ الوصول. من جديد، استعدتُ بعضَ الذكريات هنا، أصابتني التعاسة، لم أجد السلوان المطلوب، هربتُ من معقلِ ذكرياتٍ إلى آخر، نهضتُ ومشيت، حاولتُ التغاضي عن حسرةِ الفقدان، ووحشة القلب، تحسستُه. نبضٌ مهما اشتد، أتحسسه منسوبًا إلى ماضٍ كانَ فيه أقوى. دندنتُ أغنيةً “يومين وعدوا” لم يبدُ ليّ أنهما “عدوا”. مشيتُ، استمرت قدماي بالحديث مع الأرض دون وعيي، دخلتُ من بابِ المبنى، صاعدًا إلى الشقة، أخرجتُ مفاتيحي، شعرتُ بحركةٍ في المنزل! لم أقلق، ربما كانت أختي قد عادت لأخذ بعض متعلقاتها. لا هاتف معي لتتصل، آثرتُ طرقَ البابِ، حتى لا تشعر بالقلق من دخولي المفاجئ، طرقت الباب، سرعان ما شعرت بالغباء، فكيف لي أن أطرق وأنا صاحب الشقة؟ جاوبني الصوتُ ناعمًا لا يحتمل الألفة! “مين؟”
“أنا!”
“مين انت؟!” احترتُ في الرد، فُتح الباب، كانت غريبةُ النافذة تنظرُ إليّ بدهشة.