خالد الشورى: قصتان

Vittore Belliniano, Portrait of Two Young Men, 1515. Source: artsandculture.google

بيلا

لمّا أنهيت المرحلة الثانوية، انتقلت مرغمًا للعيش وحدي في شقةٍ صغيرةٍ تابعةٍ للسكن الجامعي.
كانت الشقة واحدةً من شققٍ صغيرةٍ أخرى متماثلةٍ في المساحة والمميزات، بُنِيت خصيصًا للطلاب في بنايةٍ عديدة الأدوار لا تتميّز بشيءٍ سوى موقعها القريب من الجامعة، بالإضافة لمنظر أشجار الغابة البديع التي تحيطها من كل الجهات.
كلُّ دورٍ يتضمن عددًا زوجيًا من الشقق، وكلُّ شقةٍ لها سريرها ومكتبها ودولابها ونافذتها ومطبخها، لكنها تشارك الحمام مع الشقة المجاورة.
بالكاد كانت المساحة تَسَع شخصًا واحدًا، بالتالي لم يكن متاحًا لي أن أبحث عن رفيقٍ للسكن. ورغم أني لا أنسجم مع فكرة مشاركة أحدٍ ما السكنفكثيرًا ما كنت أتشاجر مع أمي وأخي في بيتناإلا أنني من ناحية أخرى لا أطيق العيش وحدي. بالنسبة لي، تظلُّ الشجارات التافهة حول أصوات مضغ أمي أثناء الأكل، أو شخير أخي أثناء النوم، أهون بكثيرٍ من الهدوء الموحش.
في بيتنا، ومنذ طفولتي، إذا أخذتني غفوةٌ خاطفةٌ واستيقظت منها على المكان وهو خالٍ من أمي وأخي، كنت أجد خوفًا هيستيريًا غير مبررٍ يتملكني، ولا أسيطر عليه إلا بالخروج من البيت والتسكع في أي مكان يتواجد فيه بشر.
معظم الأحيان كنت أتمشى للبقالة المجاورة، أبتاع النوجا بالكراميل التي أحبها، وأدردش مع البائعة العجوز قليلًا حتى أهدئ من روعي، ثم أعود للبيت ولا أدخله، بل أظل منتظرًا عودة أخي أو أمي على عتبة الباب.
لا أحد يعرف عن خوفي من الجلوس وحيدًا بين أربعة جدران، لا أمي ولا أخي، لكن البائعة العجوز تعرف. حين أخبرتها عن الأمر حاولت مواساتي قائلةً:
أنا مثلك تمامًا، منذ أن راح زوجي مع الحرب وأنا لا أحب الجلوس وحدي، صرت أجلس معظم الوقت في البقالة، أفضل الموت هنا على الموت في فراشي، لأني أخاف ألا يلاحظ موتي أحد إلا متأخرًا، لا أطيق فكرة أن يشم أحد ما رائحة عرقي أو غازات بطني، ما بالك رائحة جثتي المتعفنة! لو وجدت البقالة مغلقةً في يوم تعال وتأكد أنني ما زلت حية.”
أعطيتها وعدي، لكن لم تكن هناك حاجةٌ لأن أَبِرّ به، فقد ماتت كما تتمنى في محل بقالتها، بين مستلزمات البيوت والمواد الغذائية والزبائن العابرين، فصرت أكتفي بالجلوس على عتبة البيت، حتى يعود أحد ما.
بناية السكن الجامعيّ منعزلةٌ على نفسها. أقرب بقالةٍ تبعد حوالي نصف ساعةٍ من المشي إذا كانت الخطوة سريعة، ولا طريق يؤدي إليها إلا شارع قديم تم تعبيده حديثًا. هذا الطريق خالٍ من المارة تمامًا، يخترق أشجار الغابة حتى يصل لوسط المدينة. لا تعبر فيه إلا باصاتٌ مسافرة، كما أن نصف عواميد الإنارة فيه معطلة، والمشي فيه ليلًا مغامرةٌ مرعبةٌ تجنبتها طوال فترة مكوثي هناك.
عندما وصلت، أخبرني حارس البناية أن الشقق لم تمتلئ بالطلاب بعد، فقد كان الوقت صيفًا، وقلما يأتي طلابٌ للدراسة في الصيف، إلا من رسب في بعض المواد أو أراد تخفيف الحمل عنه للسنة التالية، هذا غير أن الجامعة حديثة الإنشاء، ولا زالت تستقطب الطلاب إليها.
السلالم والطرقات كانت ممتلئةٌ بالغبار، يطبع حذائي أثرًا عليها مع كل خطوة. نظرت إلى يميني وإلى يساري وقلت في نفسي: لا جار لي في الغرفة المجاورة، أو التي تليها. لا أحد يسكن في هذا الدور غيري، بل لا أحد يسكن في البناية كلها غيري. هكذا وجدتني محاطًا بالوحدة من كل الجهات.
في الأيام الأولى، تعودت أن أسمع وقع خطوات عابرة أمام الباب، أو صرير المقبض وهو يلتفُّ كأنّ أحدًا ما يحاول فتحه. كل مرةٍ أتمالك فيها نفسي وأفتح الباب، أجد الممر خاليًا كما هو متوقع، ولا أسمع إلا وشوشة غصون الأشجار الآتية من القريب.
حاولت أن أشغل نفسي. انكببت على المذاكرة. خرجت في نزهات قصيرة حول البناية. أحيانًا كنت أحتسي مشروبًا ساخنًا برفقة حارس البناية إذا وجدته مستيقظًا. لكن بلا جدوى. كانت الوحدة مثل هوةٍ عميقةٍ حفرت بجاروف ضخم، وها أنا ذا أحاول ردمها بملعقة صغيرة.
بعد محاضرة ثقيلة الظل، كنت عائدًا أدراجي حين وجدت كلبة شيواوا ضئيلة الحجم تختبئ بين الأشجار، وعلى جسدها خدوشٌ طفيفةٌ وجروحٌ سطحية. اقتربت منها على مهلٍ فوجدتها تئن أنينًا واهنًا. طمأنتها بتربيتٍ لطيفٍ على رأسها، وحملتها معي إلى الشقة.
في صحن صغير، وضعت صدر دجاجة وبقايا عشاء أمس. قلت في نفسي وأنا أراقبها تأكل: كلبة صغيرة كهذه لن تحميني. تكفي ركلة واحدة من قدم الذي سيقتحم الشقة ليقضي عليها. لكن مع الصباح التالي، اتضح أن الأمر لم يكن ليشكل فارقًا، فالمهم أني وجدت من يشاركني يومي.
وهكذا ردمت الشيواوا الصغيرة الهوة العميقة بقدميها الصغيرتين. أربت على رأسها كل صباحٍ وأخرج للجامعة، وعندما أعود تستقبلني بالنباح والقفز وترقيص الذيل والدوران. أرافقها للتمشية مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع. وتأكل ما يتبقى من طعامي.
اختفت وساوسي ومخاوفي، كلُّ شيءٍ كان يسير على ما يرام، حتى صادفت ذات يومٍ عجوزًا مقوسة الظهر توزع منشورًا يحمل صورة كلبة شيواوا أمام باب الجامعة، وتسأل الطلاب والأساتذة:
هل رأى أحدكم كلبتي بيلّا؟ المسكينة تشاجرت مع كلب الجيران وقفزت من فوق السياج هاربةً. أرجوكم من يجدها فليعدها لي.”
وحين اقتربت مني لتعطيني نسخة من المنشور، ابتعدت عنها وأنا أحث خطواتي، متجاهلًا نداءاتها من خلفي.
في يومٍ خالٍ من المحاضرات، خرجت في نزهةٍ معتادةٍ مع بيلّا.
ألوان الغروب تتوهج في السماء، والشمس تغطس خلف فروع الأشجار. وكانت بيلّا تهرول جانبي مرقصةً ذيلها في الطريق الموحش ذي عواميد الإنارة المعطلة.
حين دخلنا البقالة، لاحظت نظرات البائع الأصلع المتشككة. ابتعت النوجا بالكراميل التي أحبها، ثم دفعت الحساب وخرجت مسرعًا.
خرج البائع ورائي يستمهلني، لكني تجاهلته وأسرعت.
يا للورطة! هل أعود ببيلّا إلى صاحبتها؟ لابد أنها حزينة عليها. ولكن حين تلتف وساوس الوحدة حول عقليمثل مجموعة جرذان تتحلق حول كيس قمامة مملوء بالطعام الفاسدماذا سأفعل أنا ساعتها؟ لا. لن أحتمل الوضع. بيلّا ستبقى معي.
في اليوم التالي، وبعد أن أنهيت محاضراتي، اتجهت لمحل البقالة مجددًا ولكن دون بيلّا هذه المرة. ابتعت صبغة شعرٍ بنية اللون، واعتذرت للبائع عن البارحة. بررت هروبي بكذبة صغيرة عن نوبة غثيان أصابتني وكان لابد من العودة فورًا للبيت حيث تركت دوائي. انطلت عليه الكذبة وقال أنه لحقني بالأمس ليرد لي باقي حسابي. قلت له أن يحتفظ به، ورسمت ابتسامةً على وجهي حاولت أن أجعلها ودودة، ثم خرجت.
بيلّا كلبة شيواوا بيضاء اللون، ويبدو أنه لا توجد كلبة بنفس المواصفات في هذه البلدة غيرها، لذلك صبغت فروها بالبني حتى نتمكن من الخروج إلى نزهاتنا دون أن نلفت الأنظار، ولا ينصرف ذهن من يراها إلى كلبة العجوز الضائعة.
لكن الخطة لم تُوَفّق، فقد تفاجأت بالعجوز صباح يوم إجازةٍ تطرق بابي. فتحت الباب مواربًا، وحاولت أن أبدو كما لو أننا لم نلتق من قبل. اعتذرت عن قدومها في هذا الوقت المبكر، وأخبرتني أن حارس البناية شاهدني أكثر من مرة برفقة كلبة تشبه بيلّا، فهل رأيتها من قبل؟ ولم أكد أنطق بكلمة حتى وجدت بيلّا تنبح بسعادةٍ، واندفعت من بين قدمي محاولةً الخروج من الفرجة الضيقة.
صاحت العجوز: بيلّا! أهذه أنت؟
حملت بيلّا فورًا تحت ذراعي. فتحت الباب وقلت متوترًا: هذه ليست بيلّا، انظري إلى لونها. ثم حاولت أن أغلق الباب في وجهها، لكني وجدتها تدفعه وهي تستمهلني. وضعت بيلّا أرضًا، ودفعت الباب بكل قوتي، لدرجة أنها اصطدمت بالباب ووقعت على ظهرها.
صِحتُ متوترًا وظهري للباب: أنا آسف، لم أقصد هذا.
قامت تتأوه متوجعة، وتوعدتني بالعودة برفقة الشرطة والزج بي إلى السجن.
أنا كنت أنهيت المرحلة الثانوية بدرجاتٍ بائسة لم تمكني من دخول أي جامعة قريبة من المدينة.
عثرت في الجريدة على إعلان عن منحة تقدمها جامعة حديثة الإنشاء في بلدة نائية، ولأنه لم تتوفر لي خيارات أخرى فقد قدمت أوراقي وقبلوني على الفور. لكن ها أنا ذا أخرج من الجامعة حاملًا ملفي في يدي، ويبدو أنني لن أعود إليها.
أقف في الطريق الموحش حاملًا بيلا في يدي وحقيبتي في يد أخرى، منتظرًا أول باص يمر لأستقله عائدًا لمدينتي.
لست مهتمًا إن كنت سأعثر على منحةٍ في جامعة أخرى أم لا. ولست مهتمًا إن كنت سأترك الدراسة الجامعية وأبحث عن وظيفة شاغرة. ربما سأعمل كاشير أو نادلًا أو غاسل صحون في مطعم مأكولات سريعة، مثل أخي. أيًا يكن، المهم أن بيلّا ستبقى معي، وسأخرج بها في نزهاتنا دون أن أخاف من أن يأخذها أحد مني.

 

 

أرق وحليب

 

في الصباح شرعت دفتي النافذة، كما هي عادتي بعد أن أستيقظ، فلفح وجهي هواء حار كأننا في عز الصيف. لكن ها هو الليل قد هبط محملًا برياحٍ باردة، فأوصدت النافذة جيدًا. يا له من طقسٍ متقلبٍ، يذكرني بتقلب مزاجك.
الدنيا يعمها الهدوء، والشوارع خاليةٌ من المارة.
أتذكر قبل أن يجتاح الوباء الأرجاء، حين كان الشارع الذي يطلُّ عليه بيتنا صاخبًا على الدوام: تعبر فيه العربات المسرعة، وتتشاجر فيه القطط، وتنبح الكلاب على بعضها، وأحيانًا يضجُّ بغناء السكارى وشجارات المشردين. أتذكر لما انتقلنا إلى هنا، حين كنت أواجه صعوبةً في النوم. كنتِ تغلين لي حليبًا ساخنًا له مفعول السحر، أحس بعد شربه بالنعاس يتسرب إلى جفنيّ فأطبق عليهما، ثم تأخذين رأسي بين ذراعيك. لم أعرف كيف اتسع صدركِ الصغير لرأسي الضخم نسبيًا. لكنكِ رحتِ مع الوباء، كما راح معه ضجيج الشارع ونصف سكان الأرض، وها هو الأرق يتملكني.
نقبت في الثلاجة عن حليبٍ لأغليه، لكنه نفذ. أنتِ تعرفينني، أنسى دائمًا شراء حاجياتنا من البقالة. كانت هذه مهمتكِ. ارتديت معطفي الجلدي، تناولت محفظتي وعلبة سجائري، أحكمت وضع الكمامة على وجهي ونزلت.
الوقت لم يتأخر بعد، لكن مع ذلك لا أثر للحياة في الجوار، كأن الجميع قد غادر منذ مدة دون أن أنتبه.
أسير فأجد الدكان على أول الشارع مغلقا، أتابع السير فأجد معظم الدكاكين مغلقة، تأخذني قدمي بعيدًا عن حينا حتى أجد دكانًا مفتوحًا أخيرًا.
داخل الدكان كان شيخ طاعن في السن نائم على كرسيه الخشبي، رأسه مائلٌ للخلف، فاغر الفاه، ظننت لوهلةٍ أنه فارق الحياة لتوه، ولكن بعد أن لاحظني أقبل عليه مال إلى الأمام متظاهرًا بأنه مستيقظ. سعل مرتين، بل عدة مرات، حتى شعرت أنه سيلفظ رئتيه. تريثت حتى انتهى من سعاله، مضيقًا الكمامة حول أنفي وفمي جيدًا.
“هل أجد عندك حليبًا؟” سألته.
كان ثقيل السمع، لم يسمعني جيدًا من أول مرة. كررت السؤال على مسامعه عدة مرات حتى عرف ما أريد.
مثل سلحفاة معمرة، قام ببطء شديد متجهًا للثلاجة، بينما تململت أنا واقفًا في مكاني. نظرت إلى يميني فوجدت الشارع خاليًا ومعتمًا، نظرت إلى يساري فلمحت جسدًا مقرفصًا على الأرض، يسند ظهره إلى الجدار، ورأسه مائل على صدره بحيث لا تظهر من ملامح وجهه شيء.
للوهلة الأولى ظننته كومة قمامة، لكنني لمحت يداً خارجةً من تحت الغطاء المتسخ الذي تلحف به، مبسوطةً في وضعية تسول، مستريحة بإعياءٍ على الأرض. عدت بنظري إلى البقالة فوجدت الشيخ غائبًا في بحثه عن الحليب، وبدا أن بحثه سيطول.
اقتربت من الجسد المكوم، ونخست اليد بطرف قدمي. انتبه إليّ ورفع رأسه.
كانت امرأة، وجهها شاحب ونحيل وشفاهها زرقاء من البرد، بين ذراعيها لمحت طفلًا بعمر سنتين تقريبًا تخفي وجهه في صدرها.
بادرت هي بالكلام:
“معك سيجارة؟”
لاحظت التردد الظاهر على وجهي، تابعت:
“أرجوك، أريد أن أدفئ صدري.”
ناولتها سيجارةً وعلبة الكبريت على مضض. أشعلتها بصعوبةٍ وسحبت بضعة أنفاس ثم سعلت بشدة. ولم أفهم هل هي المرة الأولى التي تدخن فيها، أم أنها تسعل من المرض.
قلت لأزيح عن ضميري شيئًا من حمله:
“الفيروس سينتقل لولدك مع الدخان.”
قالت ببرود:
“مات خلاص.”
صدمت، وأمعنت النظر في الولد فانتبهت لشحوب وجهه الشديد، ليس شحوبًا جراء سوء التغذية أو الفيروس الذي اجتاح رئتي البشرية بأكملها، بل جراء انسحاب الحياة منه.
“أين أبوه؟”
“طفش.”
“وماذا ستفعلين.”
“لا أعرف، يومان وأنا أحمله معي، حين أقول للناس أنه مريض يعطونني بعض الفكة.”
“لن تدفنيه؟”
“أول ما تتعفن جثته سألقيه في القمامة.”
كأنني أشاهد فيلمًا مغرقًا في السوداوية من الذي تحبينه، لكن لا ريموت لأغلقه.
أخيرًا جاء الشيخ بالحليب.
دسست فكةً في يدها وسيجارتين أخريين، قلت:
“يجب أن تدفنيه.”
وغادرت.
تخيلت لو كنتِ معي، على الأرجح لم يكن لتغادري معي، كنت ستأخذين الطفل منها لتدفنيه، كنت أنتِ من يواجه العالم، بينما أختبئ خلفك، لكن الوباء أخذكِ ولا أحد أختبئ خلفه.
قريبًا ستموت هذه المرأة أيضًا، يذكرني شحوبها بشحوبك حين تمكن الفيروس منك، مع حفظ الفوارق طبعًا، لأنكِ – حتى وأنتِ تحتضرين – بدوتِ فاتنة.
سأعود للمنزل متناسيًا الموقف بأكمله. سأشرب الحليب ساخنًا – كما عودتني – وأنا أستدعي ذكرياتنا سوية حتى يتشبع رأسي بكِ.
مثل كل ليلة، ها هي صورتك تتشكل في مخيلتي: مستغرقة في النوم جانبي، صدرك يرتفع ويهبط ببطء، مثل أمواجٍ تروح وتجيء مع المد والجزر.
سأهرب إلى النوم، راجيًا أن تأتي لي في الحلم.