أيام الكرنتينا 17 😷 نادين باخص

Detail from Pieter Bruegel the Elder’s “The Triumph of Death”, 1562

A Daily Feature | سلسلة يومية

أرغب في أن أوثق لهذا الوقت غير العادي الذي نمر به من خلال شهادات أفراد من مختلف أرجاء العالم – هكذا كتبت كارول صنصور للشاعرة السورية نادين  باخص وكثيرين سواها – وأتمنى الإجابة على الأسئلة الأربعة التالية في أي شكل يكون مناسبا ويفضل أن يكون شريط فيديو قصير:ر

ما هي الفكرة الأكثر إلحاحا في رأسك هذه الأيام؛

ما الذي تأمله وتتمناه (شخصياً وللجنس البشري)؛

ماذا يخيفك؛

كيف تقضي وقتك (يرجى الإشارة إلى ما إذا كنت في حالة حجر أم لا)؟


مصابة رقم صفر
1. في أوقات الهذيان تختلط الأفكار وتتدافع، وقد دخلت في فوهة الهذيان هذا منذ 13 مارس، وتحديداً حين بدأت أرى صوراً مشوشة يظهر زوجي فيها متوتراً، يروح ويجيء محمّلاً بما يسمّيه مؤونة احتياط، ثم بدأت أسمع أخباراً كثيرة ومتلاحقة يقول أولها بأن الحجر الاحترازي في كندا -حيث أعيش- قد بدأ، وهكذا فإن طفلي سيكونان معي في البيت طوال الوقت، وسيتحقق ما حلمت به كل صباح مذ دخلت ابنتي المدرسة للمرة الأولى. لطالما حلمت بهذا، ولطالما شعرت بالذنب وأنا أطبع على وجهيهما قبلات الوداع الصباحي، فيما تتصارع بداخلي غبطة لتلك المرأة الأجنبية التي سمعتها يوماً تتحدث عن مدرسة منزلية توفرها لابنتها كي لا ترسلها إلى المدرسة، وقناعة بأن طفلي ليسا ملكي بل ملك الحياة.
وفي حين تطغى فكرة ال (ماذا بعد؟) في مثل هذا الوقت، أظل مخلصة للحظويّتي، فأعيش كأن شيئاً لا يحدث خارج جدران منزلي. لكني لا أغالي إن قلت بأنني قلقة بعد نفاد مناديل التعقيم والسائل الكحولي وجل تعقيم اليدين من الأسواق أكثر من قلقي من التقاط فايروس العصر. آآآ، لحظة لحظة! ماذا سمعتُني أقول؟ عدوى؟؟ وهل يعود ويصاب بالفايروس الكوروني من أصيب به؟
نعم، لقد أصبت بفايروس كوفيد 19. ولا أغالي كذلك إن قلت: لقد متّ وعشت.
ليلة رأس السنة، تسللت الكثير من الإبر اللئيمة إلى بلعومي، وأخذت مواقعها منغرسة في كل فراغ وجدته. كانت ليلة لن أنساها ما حييت. على مدى أيام ثمانية رأيت الموت يتجسّد أمامي شخصيّاً. لم يكن وهماً، أو شعوراً، كان هو حقيقةً. كلما سألني زوجي عن حالي، أجبته كمن يسلم الروح: أنا في الجحيم.
مرّت الأسابيع وبدأ صوت كورونا يعلو عالمياً. لم أهتم لسماع أعراضه، ولا لشهادات المصابين بعد الشفاء. ولم تكن كندا قد التفتت للموضوع علنياً بعد. شيئاً فشيئاً بدأت الأعراض تخترق غشاء الطبل في أذني رغماً عني. كانت الأعراض التي أسمع عنها أشبه بأشخاص وقفوا بالدور ليصفعني كل واحد منهم بدوره ضاحكاً بهزء وهو يقول: هل تذكريني؟
انفجار الرأس، تمزق العضلات، عجز الجسم عن النهوض، الغثيان، انعدام الشهية، آلام الظهر المبرحة، التهاب العينين، الإسهال، سيلان الأنف الذي لم يسبق أن أصبت بمثله، السعال الجاف الذي لا يجد له طريقاً للخروج من شدة آلام صدري وحجابي الحاجز، الحرارة التي التصقت بي مع نوبات برودة أشبه ببرودة القبر كانت تجتاحني لتليها نوبات تعرق عجيب. أيام ثمانية وأنا في جلسة تعذيب مستمرة، سوط غير مرئي يجلد كل نقطة في جسدي.
نعم نعم، هنالك فكرة مهيمنة وسط هذا الهذيان. لربما كانت إصابتي بهذا الفايروس في ذلك الوقت الذي لم يكن أحد قد انتبه إلى وجوده حينها نعمة كللتني بها الحياة كي لا أكون الآن هلعة (في حال ثبتت نظرية أن من أصيب بكورونا لن يعود ويصاب به).
2. ما آمله حقاً هو ألا يشعر مخلوق على وجه الأرض بما شعرت به حينها. وكذلك لدي رجاء متطرف هو أن أموت قبل أن يصيبني شيء شبيه بما أصابني ليلة رأس سنة 2020.
3. غالباً لا أترك المشاعر السلبية تتحول إلى خوف، فمثلاً حين يتضخم قلقي أحوله إلى تمنٍّ بأن يكون كل شيء على ما يرام.
4. بالطبع أنا وعائلتي الصغيرة المكونة من زوجي وابنتي وابني في الحجر الاحترازي منذ 13 مارس. نقضي متعة ممزوجة بين اللعب والأكل والغضب والملل وتمرير الأيام من دون انتظار شيء. الجميل أنني منذ اليوم الأول في الحجر عدت إلى القراءة ومحاولات الكتابة التي قلما أجد لهما وقتاً مذ أصبحت أمّاً.